حديث الغرائز

حديث الغرائز

الأربعاء - 6 صفر 1437 هـ - 18 نوفمبر 2015 مـ رقم العدد [13504]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي
بعض ردود الفعل في العالم العربي على هجوم باريس الإرهابي يظهر أننا نعيش أزمة حقيقية. أثار انتباهي أن شريحة كبيرة من المثقفين والحركيين، وخاصة بين الإسلاميين ومن يسايرهم، اتخذوا موقفا شامتا، وبعضهم استعمل لغة تبدو وكأنها تفسر ما حدث، لكن عباراته عجزت عن إخفاء أن رغبته الخفية هي التبرير. بعضهم عبّر عن الشماتة أو التبرير بعبارات مثل أنه لن يبكي أو لن يتعاطف. مبررهم أن العالم لم يتألم لقتلى العرب والمسلمين، أو أن فرنسا - والغرب عموما - سبقوا إلى ارتكاب الفظائع ضد العرب.
هذه الأصوات ليست بذات أهمية أو تأثير في الغرب نفسه. إنها قبضة زبد في محيط هائل الحجم، هو حركة العالم وحراكه وصراعاته. لكن تأثيرها يقع علينا وفي محيطنا. فهي من نوع حديث الإنسان إلى نفسه. ليس حديث المحاسبة والنقد ومساءلة الذات، بل حديث توكيد الذات، من خلال الجهر بالغرائز والانفعالات، التي أراد العقل ضبطها في ظروف السلم، فإذا تفجرت الأزمات ارتخى عقال العقل وهاجت أحصنة الغرائز.
مثل تلك الأقوال التي تعبر عن رغبة عارمة في التشفي والانتقام من الآخر، تمثل - لو أردنا كسر حجاب التحفظ - حقيقة النفس المحطمة والمهزومة في عالمنا الإسلامي. النفس التي فشلت في فهم الآخر الغالب، ثم فشلت في تقليده، ثم فشلت في الاستغناء عنه، ثم فشلت في العلاقة معه، فارتدت على نفسها آسية لحالها، حزينة على ماضيها، ناقمة على عالمها، فلم تجد تفريغا لهذا الأسى سوى صبّ الكراهية على أي مختلف، قريبا أو بعيدا.
النفس المهزومة لا ترى بسطاء الناس يعيشون حياتهم ويستمتعون بساعات فراغهم في ملعب لكرة القدم، أو حضور مسرحية أو قتل الوقت في مقهى أو التمشي في حديقة، لا ترى الأطفال حاملين حقائبهم المدرسية الصغيرة بجانب أمهاتهم، لا تسمع ضحكهم وأغانيهم. فهي لا ترى أشياء الحياة العادية البسيطة، لا ترى غير صورة العدو المدجج بالسلاح يقتل المسلم هنا وهناك، اليوم أو قبل قرن من الزمان. لا ترى في الطفل سوى جندي ربما يقتلنا بعد عشرين سنة أو ثلاثين، لا ترى في الأم سوى الرحم الذي ربما يحمل الطفل القاتل.
لم ير أولئك الشامتون أن ضحايا باريس - وقبلهم ضحايا بيروت وعشرات المدن في الشرق والغرب - لم يكونوا جنودا ولا أعوانا للجنود. لم تكن باريس ساحة حرب ولا كانت بيروت.
إني أوجه اللوم إلى الإسلاميين أكثر من غيرهم، إلى الذين يدعون التدين أو الحرص على الدين أكثر من غيرهم. لقد كنت ساذجا حين ظننت أن الأكثر تدينا سيكون أكثر رحمة بالناس، وعطفا عليهم، وتعاطفا مع الضعيف والجريح والمتألم. ظننت أن الإيمان عقال القسوة، فإذا بي أجد هؤلاء الذين يدعون التدين أكثر قسوة وأقل عطفا. لم يعد الضعيف في عيونهم سوى نقطة في خريطة العدو، مجرد أضرار جانبية في حرب تاريخية مجنونة لا تنتهي.
هذه النفس المأزومة هي سر هزيمتنا وتخلفنا عن حركة العالم. استسلامنا لخطابها الغرائزي هو الذي سمح بكل أشكال الانقسام في داخل أوطاننا. إن سعينا لاستعادة حياتنا واستنقاذ مستقبلنا لن ينجح أبدا إذا هيمنت هذه الثقافة الغرائزية على محيطنا. لن ننجح أبدا في استرجاع ذاتنا التائهة ما لم ننظفها من وسخ الكراهية والتشفي والرغبة في إذلال الآخرين وإيلامهم.

التعليقات

Yahya
البلد: 
المملكة العربية السعودية
18/11/2015 - 08:58

(ونهى النفس عن الهوى ) عندما يكون الانسان باحثا عن الحق والحقيقة لابد له من التجرد ليتمكن من الوصول اما اذا قاده التعصب والمواقف المسبقة فانه سيظل جبيس لتلك الافكار
شكرا استاذ توفيق

حسان عبد العزيز التميمي
البلد: 
السعودية
18/11/2015 - 11:37

العقل والغريزة يتحكمان بالإنسان، أما الحيوان فتتحكم به الغرائز وحدها، لذا لابدّ للإنسان أن يُعمل عقله لتهذيب غرائزه التي إن تمت فإنه سيكون متصالحا مع نفسه وأسرته ومجتمعه وكل العالم من حوله، والأهم من ذلك أن علاقته مع ربه ستكون علاقة لا تفريط ولا غلو فيها، كيف لا وقد كرّم الله الإنسان فجعله خليفته في الأرض، وإن لم يحافظ الإنسان على هذا التكريم فهل يستحق الخلافة؟ وهل القتل يتماشى مع هذه الخلافة؟ فغريزة الأكل هي أن يحسن الإنسان مطعمه، وغريزة الجنس تُهذب بالزواج، وغريزة الغضب يتم اطفاؤها بالحكمة والعقل وذكر الله، أما غريزة حب الانتقام فعلاجها ترويض النفس على التسامح لتصبح غريزة حب وسلام، وغريزة القتل تنتهي عندما يتخيل الإنسان مقتل إبنه أو والده أو أحد أعزائه، والأهم من ذلك عندما يدرك أن غضب الله أكبر.

فرحان الشمري (ابو شامي)
البلد: 
السعودية
18/11/2015 - 11:39

كلام جداً رائع.و واقعي.انت تتكلم عن الجانب الانساني و الانساني فقط دكتور.لانك انت انساني بمعنى الكلمة.فعلاً احياناً لا نستكع كبح جماح انفسنا و اهواءها.الاجرام والقتل لا يمكن تبريره او السكوت عنه. ان كنا انسانيين بمعنى الكلمة.لان الانسانية جزء من الدين.

فاطمة محمد
البلد: 
قطر
18/11/2015 - 17:59

لا أشاطرك الرأي ليس هناك أسلامي يتشمت في الموت وحتى علمائنا الأفاضل يقفون بالمرصاد لقتل مسلم وغير مسلم ويستنكرون كل عمل أرهابي

محمد القائد
البلد: 
Dammam
20/11/2015 - 07:16

كل افعال الانسان هي نتاج ظروفه المحطية ففي علم الاجتماع عندما يتربى الانسان في غابة يتكيف مع وضعها وظروفها ومتطلباتها وصعوباتها ليكون جزء منها ، لذلك انعكاسات النفس بعيدا عن المثالية ماهي الا شدة اضطرابات لفترة طويله عايشها انسان حتى اصبح يتعامل بشعور او لا شعور ما كل مايتطلبه واقعه ، فليس صاحب الشان والمصيبة ومن تجرع من كأس الزهاق والمر كمن يشرب العسل المصفى وهذا امر يجب الاعتراف به ، فما يحصل قد يلتمس لهم العذر فهم اصحاب شأن ولعل قليلا يشفي ويروي وهذه طبيعة البشر وبالخصوص العرب على مر التاريخ بما يسمى " بالثأر "

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة