(ألوووووها)

(ألوووووها)

الخميس - 30 محرم 1437 هـ - 12 نوفمبر 2015 مـ رقم العدد [13498]

يقولون إن في السفر مشقة وعذابًا، وأنا أقول: هذا كان من زمان عندما كانت وعثاء السفر ترافق المسافر صباح مساء طوال رحلته، أما الآن فالسفر غدا قطعة من النعيم، إذا توافرت له عدة شروط منتقاة، ومنها المقدرة، وراحة البال، وحسن الاختيار، وحسن الرفقة، لا أن يكون المسافر مرغمًا، أو مطرودًا، أو لاجئًا هاربًا، أو مريضًا، أو عاشقًا فاشلاً راح يبحث عن العزاء في أي مكان وعلى كل صدر.
والذي أجبرني على كتابة تلك المقدمة، هو اكتشافي أن الناس يحبون التحدث للآخرين عن رحلاتهم ومشاهداتهم، غير أنهم بالمقابل لا يحبون الاستماع لأحاديث الآخرين عن رحلاتهم، وهم إن جاملوا وأنصتوا قليلاً، فسرعان ما يغيرون دفة الحديث لصالحهم.
مثل أحدهم عندما قابلني يومًا بعد أن عدت من سفري، وبعد سلام قصير منه، بادرني قائلاً: «سمعت أنك عدت من رحلة للبلد (الفلاني)»، فهززت له رأسي، فما كان منه إلاّ أن قال لي: «وأنا كذلك عدت قبل أسبوع من رحلة بين جزر اليونان»، وأخذ يعدد لي مزاياها، وأجواءها، وشواطئها، ومآكلها، ومشاربها، وأزياء نسائها، وكيف أنه تعلم في إحدى الجزر ركوب الحمير والتنقل بين القرى وصعود الجبال على ظهورها، لأنه في تلك الجزيرة محظور دخول السيارات، وبعد أن صدّع رأسي بكثرة (رغيه)، وقفت مودعًا وأنا أقول له: «مبروك عليك تعلم ركوب الحمير، أمّا أنا فلا أركب إلاّ الأفراس الأصيلة».
وتأكد لي أن الإنسان آخر شيء يرغب فيه هو سماعه لتفصيلات رحلة إنسان آخر، إلاّ إذا كان في تلك التفاصيل شيء من المغامرات الفضائحية؛ ساعتها ينقلب بقدرة قادر إلى حكيم منصت ومتلهف إلى سماع أدق تفاصيل التفاصيل.
لا أنسى يومًا عندما جلست على طاولة للغداء مع اثنين ونحن في رحلة بحرية على سفينة (كروز)، وصمخ أذني أحدهم بحديثه عن جزيرة (هاواي)، التي زارها قريبًا، وأصبح كلما قابلني يصيح بي قائلاً:
(ألوها) – وهي تعني (مرحبًا) بلغة أهل تلك الجزيرة -، وفي المساء يناديني بـ(ألوها)، بل إنه كلما دخل الحمام وخرج منه أخذ يترقوص ثم يصيح بأعلى صوته وهو يمدها قائلاً: (ألوووووها)، إلى درجة أن كلمة (ألوها) هذه أصبحت أثقل وأسمج كلمة سمعتها في حياتي في كل مفردات لغات العالم.
اعذروني إذا كنت أتحدث لكم أحيانًا عن بعض رحلاتي، لأن هذا هو (أكل عيشي)، ولكن كل من عرفني شخصيًا يعلم تمامًا أنني أبعد الناس عن التحدث في هذه الأمور.
وما أكثر الأشياء غير القابلة للنشر، والتي لم ولن أتحدث عنها – وهذا من حسن حظي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو