وداع حليفين لدودين

وداع حليفين لدودين

الخميس - 30 محرم 1437 هـ - 12 نوفمبر 2015 مـ رقم العدد [13498]
وليد أبي مرشد
صحافيّ وكاتب وخبير اقتصادي لبنانيّ

كان لافتًا أن يستهل الرئيس الأميركي، باراك أوباما، لقاءه برئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بملاحظته أن الأوان قد آن لكي يتجاوزا «خلافاتهما العميقة» حيال الاتفاق النووي الإيراني، ويتوصلا إلى أرضية مشتركة تتيح لهما التصدي «للأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار» في الشرق الأوسط.
ملاحظة أوباما تفترض أن نتنياهو بات مستعدًا للقبول بالاتفاق الإيراني «كأمر واقع».. وإن كان أمرًا استوجب ترضية ثمينة مثل رفع قيمة المساعدات الأميركية العسكرية من 3 إلى 5 مليارات دولار سنويًا، لمدة عشر سنوات، وإعادة تأكيد واشنطن أن «أمن» إسرائيل يحتل رأس أولوياتها في الشرق الأوسط.
ولكن، أليس من تحصيل الحاصل أن يرتكز التصدي لأنشطة إيران في المنطقة على تضييق الخناق الاقتصادي عليها بدل تخفيفه، وتشديد تدابير مقاطعتها للحد من حرية حراكها «المزعزع للاستقرار»، باعتراف الرئيس أوباما نفسه؟ والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: لماذا لم يشترط أوباما على إيران الإقلاع عن سياسة «زعزعة» استقرار الشرق الأوسط قبل توقيع الاتفاق النووي معها؟
قد يدرك أوباما - واستطرادًا نتنياهو - أن التصدي لنشاطات إيران المزعزعة للاستقرار، وتعزيز «أمن» إسرائيل (أولوية واشنطن القصوى كما أكد الرئيس أوباما نفسه) باتا أصعب منالاً بعد موافقة مؤتمر فيينا على رفع تدريجي للعقوبات المفروضة على إيران؛ الأمر الذي سمح لروسيا بتزويدها بمنظومة صواريخ متطورة من طراز «إس 300».
أهو صيف وشتاء على سطح واحد؟ أم إن ضرورات تسوية الخلافات الشخصية بين أوباما ونتنياهو اقتضت أن تعود إيران «قميص عثمان» الطرفين في الشرق الأوسط، أو «الأرضية المشتركة» لعلاقتهما المتجددة، في وقت دخل فيه بقوة لاعب دولي جديد على ساحة النزاعات الدامية، والمتسارعة في المنطقة هو «الدب الروسي».
إلا أن لقاء أوباما - نتنياهو الأخير يكسب أهميته الاستثنائية لانعقاده في أعقاب تدهور حاد في العلاقات الأميركية – الإسرائيلية تضافر عاملان على تحويله إلى الأسوأ في تاريخ البلدين: العامل الشخصي، والعامل الإيراني.
في كل من واشنطن وتل أبيب، بات سرًا شائعًا أن الرئيس أوباما «لا يستلطف» رئيس الحكومة الإسرائيلية، وأن نتنياهو، بدوره، «لا يثق» بالرئيس أوباما.
ويبدو أن الشعورين ليسا مزاجيين بقدر ما هما وليدا مآخذ سياسية متبادلة، فأوباما لم يستسغ تجاهل نتنياهو طلبه، عام 2009، تجميد الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولم ترق له محاولته، عام 2012، التدخل في انتخابات الرئاسة الأميركية لصالح منافسه الجمهوري، ميت رومني.. ونتنياهو أيضًا لم ينسَ كيف «خدعه» الرئيس أوباما وكتم عنه اتصالاته السرية بإيران؛ حسبما يؤكده مستشاره الأمني السابق يعقوب أميدور. ولكن إذا كانت إيران وسّعت شق التباين السياسي بين أوباما ونتنياهو، فإن أسلوب تعاطي الرئيس الأميركي مع سوريا أثار في إسرائيل مشاعر «قلق» حيال التزامه بتعهداته، وذلك في أعقاب تراجعه عن تهديده الصارم بقصف سوريا ردًا على تجاوز النظام «خطه الأحمر» واستخدام الأسلحة الكيماوية في معارك الغوطة (رغم أن واشنطن اعتبرت آنذاك أن مصادرة أسلحة سوريا الكيماوية تصب في خانة أمن إسرائيل).
يفترض بالابتسامات التي علت وجهي أوباما ونتنياهو في لقاء واشنطن والمصافحات التي حرص الإعلام على نشر صورها، الإيحاء بأنهما تجاوزا ماضي علاقاتهما الثنائية على قاعدة «عفا الله عما مضى».
ولكن «حرارة» اللقاء لا تحول دون طرح سؤالين يصعب الافتراض بأنهما لم يجولا في خاطر نتنياهو، وهما:
- إذا كان أوباما لا يزال يعتبر الاتفاق النووي مع إيران أحد أبرز إنجازات سياسته الخارجية.. فهل يمكن له فعلاً أن يغفر توقيعه على اتفاق سبق أن وصفه علنًا بـ«خطأ تاريخي» سعى لدرئه بحملة اتصالات خارجية وأميركية فاشلة؟
- إذا كان أوباما لم «يحافظ على كلمته» ويعاقب سوريا على انتهاكها «خطه الأحمر».. فهل يمكن له الركون لوعده الجديد بمنع إيران من تطوير سلاح نووي، خصوصًا أن حصولها على منظومة صواريخ «إس 300» الروسية سيتيح لها تأمين حماية أفضل لمنشآتها النووية؟
مع ذلك، كان توقيت لقاء واشنطن مجديًا للجانبين: أوباما رطب أجواء علاقته الشخصية مع نتنياهو دون التراجع عن الاتفاق الإيراني، ونتنياهو «ودّع» بدبلوماسية رئيسًا لم يتبقَ من عمره في البيت الأبيض سوى سنة واحدة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو