الميثاق الإعلامي ليس هو الحل

الميثاق الإعلامي ليس هو الحل

الاثنين - 27 محرم 1437 هـ - 09 نوفمبر 2015 مـ رقم العدد [13495]
طارق الشناوي
كاتب مصري

دائمًا بعد أن تحدث الواقعة نبدأ في وضع الحواجز والمتاريس التي تحول دون تكرارها، ثم نكتشف بعد فوات الأوان أنها صارت بلغة السينما كادرًا ثابتًا وبلغة الموسيقي لازمة في كل «كوبليه»، أتحدث عن حالة البكاء التي انتابت الفضائيات، وتحديدًا المصرية، بسبب زخات لا تتوقف من الانفلات الأخلاقي طالت البيت حتى أصبح هناك خوف على الأمان العائلي، فتحركنا فقط في تلك اللحظة الفارقة عندما صار التهديد يضرب بقوة على أبوابنا.
هل مقدمو برامج «التوك شو» مجموعة من الكائنات الفضائية هبطوا فجأة على الأرض وقروا أن يحتلوا الشاشات؟ أم أنهم يعملون تحت مظلة قانون نحن الذين وضعناه، كلنا يحاول أن يبرئ ساحته ويغسل يديه من تلك الجريمة، فهي لم تكن الأولى، وأؤكد لكم أنها ليست الأخيرة، تعودنا أن ننظر إلى رأس جبل الثلج وليس إلى عمقه الراسخ في بحر الإعلام، سوف تقول: الدولة مسؤولة، فهي بدلا من أن تضع القوانين وتحدد المعايير، تركت الحبل على الغارب لكل من أراد أن يقف أمام الكاميرا ويدلي بدلوه، من الإبرة للصاروخ، من فيلم بطولة محمد رمضان ينتجه السبكي إلى حادثة سقوط الطائرة الروسية في شرم الشيخ، هذا بالطبع صحيح، ولكن هذا هو الدور الثانوي، لأن من لعب دور البطولة هو أنا وأنت عزيزي القارئ بما نملك من سلاح في أيدينا، أقصد «الريموت كونترول»، الذي يعني الاختيار والانتقاء، المذيعة إياها التي أثارت الضجة أخيرًا لم تكن هي بالمناسبة الأكثر فجاجة، هناك من سبقها بخطوات، إلا أن ما حدث هو أن الناس من خلال كثافة المشاهدة صوتوا في البداية لصالحها، ثم هم أنفسهم الذين توحدوا لإسقاطها، اخترنا بإرادتنا البرامج التي تفضح وتكشف المستور، مثلا الإعلامي الذي سرب الأشرطة الصوتية لتسجيلات النشطاء السياسيين، ألم تجد تلك التسريبات صدى لدي خصومهم، وأيدوا اختراق الخصوصية، واعتبروها عقابًا مستحقًا، لم ينزعجوا إلا فقط عندما طالهم رذاذها، تابعوا من هم المتحدثون المفضلون في تلك البرامج التي تحتل عادة المركز الأول في كثافة المشاهدة، سوف تكتشف أن من يتجاوز في السباب والشتائم هم الذين يحتلون مقدمة الكادر، والغريب أن مقدمي البرامج التي لا تقل إسفافًا رأيناهم يعلنون أسفهم مما حدث، وحرصوا على الهواء أن يزرفوا الدموع ويشقوا الجيوب ويلطموا الخدود على ما أصاب الإعلام من انفلات، رغم أن لهم سجلا حافلا في تلك الاختراقات، صارت القاعدة: «كلما كنت صفيقًا أكثر وجدت لك جمهورا أكثر»، نعم، هناك فارق بين أن يقبل الناس على مشاهدة برنامج وأن يحترموا الرسالة المقدمة، إلا أن الصحيح أيضًا أن كثافة الإعلان تلعب دورا مؤثرا في استمرار تلك البرامج وأيضًا في تحديد توقيت البث في ذروة المشاهدة، كلما حققت كثافة عالية أتيح لك مساحات أفضل، ويذهب المعلنون إلى تلك البرامج يضخون أموالهم، نحن بإقبالنا عليها صنعناها ثم قررنا تحطيمها، أحيانا تجد نفسك في الوقت نفسه الجاني والمجني عليه، وهذا هو ما نعايشه الآن، لا أعول كثيرا على مواثيق الشرف وما أكثرها، فلدينا في نقابة الصحافيين ميثاق أقسم عليه الصحافيون، ولدينا عشرات من التجاوزات تتكرر، لا أقول فقط يوميًا، ولكن مع زيادة الجرائد الإلكترونية صار معدل الاختراق يقاس بالثانية، ثم أصبح الآن بـ«الفيمتو ثانية»، الميثاق ليس هو الحل ولكن عندما ترفض الملايين تلك البرنامج فسوف تتوقف وتموت بالسكتة الجماهيرية، نحن نملك الحل لو توحدت أيادينا على «الريموت».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو