رهين المحبس الواحد

رهين المحبس الواحد

الخميس - 16 محرم 1437 هـ - 29 أكتوبر 2015 مـ رقم العدد [13484]
وليد أبي مرشد
صحافيّ وكاتب وخبير اقتصادي لبنانيّ

رغم أنه من المبكر، بعد، وضع آمال واسعة على الدور الروسي في سوريا، فإن ذلك لا يحول دون التساؤل عما إذا باتت تسوية النزاع السوري أقرب منالا بعد أن تحول نظام دمشق من «رهين المحبسين» (الإيراني والروسي) إلى «رهين المحبس الواحد» (الروسي).
قبل الثلاثين من سبتمبر (أيلول) الماضي - تاريخ الانتشار العسكري الروسي في سوريا - كان قرار سوريا السياسي محكومًا، بالدرجة الأولى، بدور الداعم المالي والعسكري الإيراني (وملحقاته الميليشيوية)، وبدرجة أدنى بموقع الداعم الدبلوماسي واللوجيستي الروسي.
تزامن دور الداعمين على مدى السنوات الأربع المنصرمة، بغياب قاسم سياسي مشترك بينهما، حوّل النزاع إلى حرب كر وفر تراوح مكانها وتستنزف إيران وميليشياتها إضافة إلى ما تبقى من فلول الجيش السوري النظامي.. حرب انحصر نصرها «المبين» بإتاحة ظروف ميدانية مواتية لنشوء أعجوبة القرن الحادي والعشرين، «دولة الخلافة» المزعومة على جانبي الحدود السورية - العراقية.
قد يبدو دخول روسيا العسكري «المفاجئ» على خط النزاع، بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاعه، محاولة الساعة الأخيرة لإنقاذ النظام السوري من السقوط تحت وطأة ضربات معارضيه. ولكن، حتى وإن صح ذلك، تصعب تبرئته من محاولة الاستئثار بقرار التسوية السياسية النهائية للنزاع، ولو تم ذلك على حساب الدور الإيراني.
مع التسليم بأن مصالح روسيا في المنطقة شكلت الخلفية الأساسية لتدخلها في سوريا، فإن انتقال النظام السوري من وضع «رهين المحبسين» إلى وضع رهين «المحبس الواحد»، تطور قد يسرّع الحل السياسي المقبول للنزاع.
بالنسبة لدولة هاجسها الأمني «إرهاب» الاستقلاليين الشيشان وعملياتهم الانتحارية داخل أراضيها، تمثل سوريا جبهة مواجهة خارجية، واستباقية أيضًا، مع ما تصفه موسكو «بالإرهاب الإسلامي». ورغم أن العمليات العسكرية الروسية زادت من مأساة السوريين بتوسيع رقعة المعارك ومفاقمة حركة النزوح إلى دول الجوار (واستطرادًا إلى أوروبا)، فإن إمساك موسكو بالورقة السورية، إن لم يكن احتكارها بالكامل، لا يخلو من بوادر واعدة بانفراجات سياسية على صعيد مساعي التسوية الإقليمية والدولية المقبولة من السوريين ومن دول الجوار معا.
في هذا السياق لا يبدو مستبعدًا من الدولة التي تطرح نفسها حامية للأقلية المسيحية الأرثوذكسية في الشرق الأوسط، أن تدفع باتجاه تبني نظام سياسي في سوريا يراعي مواقع كل الأقليات ويحفظ حقوقها التمثيلية في السلطتين التشريعية والتنفيذية، الأمر الذي قد يفرز نظاما تعدديًا آخر في المنطقة.
إعلان موسكو أن لتدخلها العسكري في سوريا «حدودا زمنية»، ورغبتها الظاهرة في إعادة فتح قنوات التسوية الدبلوماسية للنزاع مع الولايات المتحدة والدول العربية المعنية، مؤشران واضحان على تخوف روسيا من الغرق في المستنقع السوري على غرار غرق الولايات المتحدة في المستنقعين الأفغاني والعراقي، فخلافًا للولايات المتحدة، لا يتحمل وضع روسيا الاقتصادي حربًا استنزافية طويلة الأمد في سوريا، مما يسمح بالافتراض أن انخفاض أسعار النفط وضغوط العقوبات الغربية وارتفاع معدل البطالة إلى 16 في المائة وتراجع سعر صرف الروبل، عوامل لا تنفصل في حسابات الرئيس فلاديمير بوتين الداخلية عن حساباته الخارجية في ما يتعلق بحدود تدخله العسكري في سوريا. ورغم أن الإنفاق العسكري سر مغلق في روسيا، فإن دراسة نشرتها أسبوعية «جين» المتخصصة في الشؤون العسكرية، في أعقاب ثلاثة أسابيع من «الانتشار» الروسي في سوريا، تقدر أن تكلفة عمليات موسكو الحربية تتراوح بين 2.3 مليون دولار و4 ملايين دولار يوميًا (وإن كانت لا تقارن بالـ10 ملايين دولار التي تنفقها واشنطن يوميا على حربها «الجوية» على «داعش»).
حسابات موسكو العسكرية والاقتصادية وحتى السياسية ترجح تفضيلها، على المدى غير البعيد، حلاً سياسيًا على حل عسكري في سوريا. والتحرك النشط للدبلوماسية الروسية في الآونة الأخيرة يعزز مصداقية هذا التوجه.
من هنا أهمية استئثار روسيا بورقة الحل السياسي في سوريا، فإذا ما تذكرنا أن «التنازل» الوحيد الذي ارتضى نظام الرئيس بشار الأسد تقديمه لشعبه منذ اندلاع الحرب الأهلية هو الإقلاع عن استعمال السلاح الكيماوي، وإذا تذكرنا أن هذا «التنازل» تم بضغط روسي مباشر، يجوز الاستنتاج بأن روسيا، وحدها، هي الجهة القادرة على ممارسة ضغوط فعالة على النظام السوري.. ومن تحصيل الحاصل أن تكون طاقة الضغط الروسية قد تعززت بشكل ملموس في أعقاب تدخلها «الإنقاذي» في النزاع السوري.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو