من المدرسة نبدأ

من المدرسة نبدأ

الأحد - 5 محرم 1437 هـ - 18 أكتوبر 2015 مـ رقم العدد [13473]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
بريطانيا ليست جمعية خيرية، كي تخصص ما يقارب 50 مليون دولار، من ضرائب مواطنيها، في سبيل تحسين مستوى التعليم العربي. والمؤتمر التربوي الجامع الذي ينظمه «المجلس الثقافي البريطاني» في بيروت مطلع الأسبوع الحالي، وينضم إليه وزراء عرب ومسؤولون بريطانيون يتابعون الجانب التعليمي والثقافي في المنطقة عن كثب، هو أبعد ما يكون عن الاستعراض والبهرجة، ويسعى بجدية بالغة إلى الحد من أضرار بات طوفانها يجتاح العرب ويفيض على من حولهم، وأوروبا أول المتضررين. هجوم المهاجرين الكاسح الذي لا يقف في وجهه سد، ولا تمنعه قوة أو خوف من موت، هو خير دليل على أن الآتي أعظم وأشرس.
لا تنفرد بريطانيا بمخاوفها من التدهور السريع للبنية التعليمية. عشرات الاتفاقات ومشاريع التعاون التي ترتفع تكاليفها إلى عشرات ملايين الدولارات وقعتها هيئات أممية وحكومية غربية مع وزارات التربية، للمساعدة في حل معضلة مزمنة، دون أن نرى تأثيرا ملموسا وفرقا بينا على الأرض. التغيير بطيء، الذهنية التقليدية تعاند بشراسة. هناك من يسعى لإبقاء التعليم مكبلاً بأصفاد معايير أكل الدهر عليها وشرب. ثمة مقاومة ضمنية غير معلنة، لفرملة التغيير.
البرنامج البريطاني يريد رفع مستوى مهارات الطلاب العرب، بتدريبهم على التفكير النقدي والتحليلي، وتوعيتهم على قيمة المواطنة وأهمية الإبداع بدل التلقين من أجل صياغة حياة أفضل.
هناك خشية متزايدة، بسبب التسرب المدرسي المتمادي من جهة، وتقليدية الأساليب التعليمية وانخفاض مستواها الابتكاري من جهة أخرى.
لا يزال ينتظرنا، على ما يبدو، أسوأ من الجحيم الذي نرتع فيه. الأرقام تقول ذلك، التقارير الدولية تحذر وتنبه. فليس قليلا أن يكون ثلث أطفال العالم الذين يحرمون من التعلم الابتدائي هم من العرب. مخجل أن نكون أسوأ منطقة على الإطلاق في تحقيق عدالة التعليم بين جنسي الذكور والإناث، رغم كل الجهود التي بذلت.
لم تكن الأوضاع بخير قبل الثورات المشؤومة، لكن أعداد المحرومين من العلم كما الخبز تضاعفت مرتين أو ثلاث، بعد أن خرجت المباغض من قمقمها.
13 مليون طفل عربي في المرحلة الابتدائية صاروا بلا مدارس اليوم، والتقديرات ترجح أن عددهم قد يرتفع سريعا إلى 21 مليون طفل، إما لفقر متصاعد أو قلة حيلة أو تدهور أمني مفاجئ.
9 آلاف مدرسة تضررت أو تهدمت جراء الثورات وما استجرته من نزاعات. هل هي مجرد صدفة؟ كيف يفسر أن أكثر من 200 مدرسة تعرضت للتخريب في عام واحد؟ ما سر استسهال الأنظمة كما معارضاتها المسلحة تحويل المدارس، تحديدا، إلى مراكز أمنية ومقرات للتعذيب، وفي أحسن الأحوال مأوى للاجئين والمقهورين. لماذا تصير المدارس تارة قواعد ميليشياوية وتارة أخرى ركاما من حجارة؟
نصف أطفال ليبيا واليمن وسوريا والعراق، أصبحوا خارج النظام التعليمي بالكامل. أي مستقبل ينتظر أولادنا؟ أساتذة يهجرون ويقتلون أو يعتقلون، تلامذة لا يرحمهم رصاص طائش أو قنابل عبثية. انخفضت 50 في المائة نسبة تسجيل الطلاب في مدارس ليبيا هذا العام. صار ثمن العلم، حياة كاملة في بعض الأحيان، والذهاب إلى المدرسة مغامرة قد لا يخرج منها الطفل سالمًا.
كثير جدًا من السياسة، وقليل من التعليم عند العرب. المدارس الحكومية على علاتها الكثيرة، كانت تجمع مواطنيها بفئاتهم ومذاهبهم وأديانهم، تحت سقف واحد، في ظل منهاج مدني يعاني الحول، لكنه لم يبلغ العمى الكلي. من المفارقات المؤلمة أننا بتنا نترحم على ما فات رغم معايبه القاتلة.
فعلى أنقاض ما دمّر من مؤسسات تعليمية، صار للمتشددين والإرهابيين مدارسهم، ومناهجهم التكفيرية وكتبهم وأساتذتهم، وخريجوهم.
بين «مؤسسة الجهاد» التي أقامها «داعش» و«معسكر أشبال الأقصى لإعداد المجاهدين» – والاسم يغري لكن المضمون قد لا يكون كذلك - على طريقة جبهة النصرة، ينشأ جيل جديد، لا يرى إلا من ثقب صغير.
ست دول عربية، على الأقل، فقدت بناها التربوية التحتية، التي تركت فراغًا هائلاً يملؤه المتشددون، بتعليم يروج للكراهية ونبذ الآخر، وقتل المختلف.
البرنامج البريطاني الذي يعمل عليه منذ بدء الثورات ومستمر لثلاث سنوات أخرى، يسعى لربط مئات الصفوف التعليمية في المنطقة، وتوثيق عرى التواصل التكنولوجي فيما بينها، وتبادل الخبرات والآراء، في محاولة لإخراج المدارس العربية من حالة الجمود وشرنقة الانتظار.
إنه واحد فقط من عشرات المشاريع التي تثمر، رغم الخراب الكبير، ولكن ببطء شديد. مقاومة التغيير هائلة، الركون للوضع القائم مغر، على بشاعته.
التحديات عظام. الغرب لا يبدد أمواله كرمى لعيون أطفالنا الحزينة. من حسن الحظ أن كثيرين باتوا يدركون أن الخطر داهم ولن يرحم أحدًا. من المفيد أن يفهم هؤلاء، أن المسافات الجغرافية تردم بسرعة قياسية، وأن الخراب ستصل شظاياه، حتمًا، إلى حيث لم يكن متوقعًا منذ سنوات قليلة فقط.
آلاف الأساتذة تم تدريبهم ومثلهم سيعلمون المهارات ذاتها لنقلها إلى طلابهم. المحاولات التحديثية ليست بجديدة ولن تكون الأخيرة، لكنها لم تكن بالضرورة ناجحة.
ظن نابليون بونابرت، أن فتح مدرسة يقفل سجنًا، وتبين أن ثمة مدارس تفتح باب الجريمة، لذلك قد يتوجب على التربويين العرب، الإصغاء جيدًا إلى نصيحة كونفوشيوس التي تقول: «لا يمكن للمرء أن يحصل على المعرفة، إلا بعد أن يتعلم كيف يفكر». فهل يتنبه أساتذة مدارسنا الأجلاء إلى البدء من هذه النقطة تحديدًا؟

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة