لا «انتفاضة ثالثة» في فلسطين؟

لا «انتفاضة ثالثة» في فلسطين؟

الاثنين - 29 ذو الحجة 1436 هـ - 12 أكتوبر 2015 مـ رقم العدد [13467]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
صور الاعتداءات الإسرائيلية على فلسطينيين عزّل تجوب الشبكة الإنترنتية، وفي حال استمر تدفقها ستشكل دعاية شديدة السوء لصورة إسرائيل «الديمقراطية» في «العالم الحر». الجندي الإسرائيلي المدجج بالسلاح، وهو مغطى الوجه، يعتدي ضربًا على طفل مكسور اليد، لا يتجاوز عمره سبع سنوات، بهمجية متوحشة، ووالدته تنتحب بقربه، محاولة إنقاذه، دون جدوى، هو أحد الأفلام الكثيرة التي باتت إسرائيل تعتبرها من بين الأسلحة الأكثر فتكًا بسمعتها. داخل الخط الأخضر كما خارجه، أظهر شريط تداولته وسائل الإعلام لشرطي إسرائيلي يطلق النار على سيدة فلسطينية من الناصرة، قيل إنها كانت تريد طعن يهودي، تبين لاحقًا من الفيلم أن قتلها لم يكن له أي مبرر. وهو ما تخشى المؤسسة العسكرية أن يثير ردود فعل قوية.
رغم الإرباك والمحاولات الحثيثة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لتهدئة الحال، ثمة عوامل عدة تعول عليها إسرائيل لتنام مطمئنة البال إلى أن الاشتباكات مع الفلسطينيين لن تتحول إلى مواجهات شاملة أو انتفاضة ثالثة، كما يتمنى البعض. فكل المنطقة تغلي وليس بين دول الجوار العربي من هو مستعد، الآن، لصب الزيت على النار والدخول في معمعة، تزيد الطينة بلة، سواء مصر المشغولة بذيول ثورتها أو بلد مثل الأردن تغلي النيران على حدوده السورية، ويخشى المزيد من اللاجئين والمشردين الذين يجتاحون حدوده.
لكن التعويل الأكبر هو على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي تعتقد إسرائيل أنه رغم تفهمه لغضب شعبه، لا مصلحة له ولسلطته في تغيير «الستاتوكو» القائم حاليًا، وأنه سيفعل ما بوسعه لكبح جماح هيجان قد يتوسع. أما العامل الثالث وربما الأهم فهو اعتبار إسرائيل أن حماس منهكة، ومعزولة، ولا تزال تلتقط أنفاسها من آثار «الجرف الصامد» الذي شتت قواها، وأفقر جمهورها، هذا عدا عزلتها، وافتقارها إلى تجديد مخزونها من الذخيرة بالسرعة المناسبة.
الانتفاضة الأولى جاءت عام 1987 بعد حادث سير بين شاحنة إسرائيلية وسيارة فلسطينية، أودت بحياة ركابها، مما تسبب بغضب مزلزل. والثانية كما هو معلوم أطلق شرارتها أرييل شارون عام 2000 بزيارته الاستفزازية إلى المسجد الأقصى بصحبة حرسه. انتفاضة ثالثة، من الصعب التكهن بما إذا كانت انطلقت أم لا، وإذا ما كانت حسابات الحقل الإسرائيلي ستناسب غلة البيدر الفلسطيني.
كل الانتفاضات الشعبية تولد من اليأس، وأفق المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية مسدود منذ أمد بعيد، وتصريحات نتنياهو لا تفتح كوة بقدر ما تغلق مسارب الأمل وتنشر الظلام. لا يزال نتنياهو لا يأخذ على محمل الجد مخاطر ما يعتمل حوله. عودة حرب الدهس والطعن والزجاجات الحارقة تؤرقه، لكنها لا تهزه بالقدر الكافي.
320 معتقلاً فلسطينيًا خلال شهر، سبعة قتلى في غزة في يوم واحد، عدا عشرات المصابين، أكثر من 40 نقطة اشتباك بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في غضون 24 ساعة. الاحتقان بالغ بين الأهالي، ليس فقط بسبب الاحتلال المذل، ولكن أيضًا بسبب ضيق ذات اليد، وبؤس الحياة. لا يزال غزيون تهدمت منازلهم جراء الحروب بلا مأوى، ما يقارب نصف السكان في الضفة الغربية يعيشون تحت خط الفقر، رغم كل المساعدات التي تتدفق على السلطة. فساد الهرم السياسي بات مزمنًا. ثمة دراسة إسرائيلية تقول إن غالبية الفلسطينيين يعتبرون أن عدوهم الأول هو الفساد وليس إسرائيل.
لم يجعل الاحتلال السلطة الفلسطينية تتطهر من أمراض عربية في الحكم مستشرية. الحروب الصغيرة بين النخبة الحاكمة تقضي على كل بصيص ضوء. العلم الفلسطيني الذي رفرف أمام الأمم المتحدة، رمزًا لانتصار الفلسطينيين ولو في معركة رمزية، ووجودهم كمراقب في الأمم المتحدة، لم يعد يكفي ليسد رمق الجوعى.
ثمة في فلسطين من الضفة إلى غزة ظلم بائن، قد يمكن لإسرائيل كبحه على المدى القصير، لكنه يعتمل في باطن النفوس تفخيخًا وتدميرًا لكل طموح ممكن.
في الأيام القليلة الماضية، تجاوز الشبان الفلسطينيون الغاضبون حدودًا حمراء، هاجموا نقاطًا حدودية ممنوعة عليهم، لم تكن في الحسبان.
تعتقد إسرائيل، وهذا مصدر اطمئنان لها، أن نيران الجوار وزلازله من النعم التي ستريحها لسنين طويلة قادمة. يظنون أن الاقتتال البيني العربي يشكل حالة ردع طبيعية للفلسطينيين، الذين باتوا مهيضي الجناح.
كل ذلك ممكن، لكن يفترض أن لا يسقط من الاعتبار أن ما أضرم النيران في الجوار قد يشعل قلوب الفلسطينيين أيضًا، فإضافة إلى الاحتلال الذي لا يطاق، لا ينقص الفلسطينيين العطالة والبطالة ولا محسوبيات أهل السلطة وإدمانهم شراء الذمم والأصوات الانتخابية. كل الفيروسات العربية السلطوية كامنة في فلسطين وتتنامى منذ سبعينات منظمة التحرير إلى اليوم. المسار العربي واحد من تونس إلى سوريا وصولاً إلى اليمن السعيد، وهو ما تفهمه إسرائيل جيدًا وتظن بسببه - وعلى الأرجح مخطئة - أنها تنام على حرير. ولكنه حرير يكون له مفعول الحزام الناسف، فقد كانت الصين تقضي على أعدائها خنقًا بخيط من حرير!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة