مأزق.. لمن؟

مأزق.. لمن؟

الخميس - 6 ذو القعدة 1436 هـ - 20 أغسطس 2015 مـ رقم العدد [13414]
وليد أبي مرشد
صحافيّ وكاتب وخبير اقتصادي لبنانيّ

الصراحة، في نظام يحترم الرأي الآخر، آخر ما يفتقده الخطاب السياسي للمسؤولين الأميركيين، سياسيين كانوا أم عسكريين. واللافت في هذا السياق أن منسوب الصراحة يرتفع بشكل واضح حين يصبح أولئك المسؤولون متقاعدين أو على عتبة التقاعد.
ربما يندرج في هذه الخانة آخر تصريح أدلى به رئيس أركان الجيش الأميركي، الجنرال راي أودرتو، قبل تقاعده بأيام، فقد اعترف بأن الحرب على تنظيم داعش تواجه «مأزقا» وذهب إلى حد عدم استبعاد إرسال قوات أميركية برية لمساندة القوات العراقية في معاركها مع «الداعشيين».
المهم أن شاهدا من أهله شهد على أن المؤازرة الجوية الأميركية للعمليات البرية للجيش العراقي استراتيجية فاشلة يتوجب على البنتاغون أن يعيد النظر بها على ضوء التجربة العملية.
والواقع أن فشل التغطية الأميركية الجوية في دعم العمليات البرية للجيش العراقي لم يعد خافيا على أحد. وبصرف النظر عن الإشكالات اللوجستية لهذه الخطة - التي لا تحصى ولا تعد حسب تحليلات الخبراء الأميركيين أنفسهم - يبدو اقتصار دور الولايات المتحدة على الطلعات الجوية في الحرب على «داعش» وصفة لإطالة عمر الحرب بدل تقصيره.
مع ذلك لا تستحق صراحة رئيس الأركان الأميركي التنويه بجرأتها لكشفها ما أصبح معروفا من «أسرار» الحرب على «داعش»، بل لإبلاغها الرئيس الأميركي، باراك أوباما، نصيحة يأبى للآن القبول بها، أي الحاجة إلى إرسال قوات أميركية برية لمساندة القوات العراقية ميدانيا.
من حق الرئيس أوباما محاولة إصلاح ما أفسدته دبلوماسية التدخل الخارجي لسلفه، الرئيس جورج بوش (الابن)، كما من حقه الثبات في موقفه المبدئي الرافض لزج الجنود الأميركيين في حروب الآخرين.
ولكن من حق العراقيين أيضا أن يطالبوا واشنطن بتحمل مسؤولية إزالة كامل آثار اجتياح قوات الرئيس بوش لبلادهم قبل انسحاب آخر جندي أميركي من بلادهم، فبأي منطق عادي تتحمل واشنطن هذه المسؤولية على قاعدة المقولة المصرية الشعبية: «اللي شبكنا يخلصنا». ومن أقدر من واشنطن على تخليصهم مما جنته عليهم شهية الرئيس بوش المفتوحة على التدخل الخارجي حتى «بأسباب ملفقة».
بعد حملة بوش الفاشلة لنزع «سلاح الدمار الشامل» لنظام صدام حسين، وادعاء فرض الديمقراطية على العراقيين بالقوة، وبعد قرار «مندوبه السامي»، بول بريمر، حل الجيش العراقي عام 2003 - وما استتبعه القرار من تشرذم سياسي وأمني ومذهبي.. لم يعد العراق مشكلة شرق أوسطية بقدر ما أصبح عقدة أميركية دبلوماسية وعسكرية معا.
يستحيل إنكار مسؤولية واشنطن فيما آلت إليه أوضاع العراق من فوضى شاملة، بل يصعب أيضا فصل «إدارتها» لشؤون العراق عن نشوء التيار «الداعشي» ونموّه إلى حد منافسة الأميركيين - ومن ورائهم الإيرانيون - على خلافة دولة مدنية عاملة بـ«خلافة» إسلامية مزعومة.
عمليا، ما زالت الفرصة متاحة لتجنب ما توقعه رئيس الأركان الأميركي في «تصريح ما قبل التقاعد» من أن يكون التقسيم العلاج الأخير لعلل العراق. ولكن إنقاذ العراق يستوجب التزاما أميركيا مباشرا بالشأن العراقي على صعيدين متوازيين:
- عودة واشنطن إلى لعب دور أساسي، ومباشر، يبدأ بالمساعدة على اقتلاع الفساد الإداري، وينتهي بإعادة صياغة النظام على قاعدة ديمقراطية فيدرالية تضمن مشاركة سنية - شيعية - كردية في تحمل مسؤوليات الدولة الواحدة. وواشنطن، المغرمة بالمقاربات الأكاديمية للقضايا السياسية والاقتصادية، لا بد أن تملك دراسة موضوعية عما يحتاج إليه العراق ليلتحق بعصره كدولة مؤثرة في محيطها، علما بأن ما يحصل عليه العراق من دخل نفطي يكفي، بحد ذاته، لتمويل إعادة صياغة الدولة.. إن أحسنت واشنطن إدارتها.
- ولأن مأزق واشنطن الدبلوماسي لا يقتصر على العراق وحده، بل يشمل الشرق الأوسط بأكمله، فقد يساعد واشنطن في الخروج من «مأزقها» إعادة ترتيب أولوياتها في المنطقة بمعزل عن «عقدة» أمن إسرائيل المفتعلة. ورغم أن هذا التمني يعتبر بمثابة رابع المستحيلات في واشنطن، لم يعد مبررا استمرار إدارة الرئيس أوباما في اعتبار القضية الفلسطينية مجرد مشكلة جانبية فيما هي المشكلة الأم في الشرق الأوسط. وقد يشكل ما أبداه الرئيس الأميركي، في موقفه من ملف إيران النووي، من مجازفة في إغضاب إسرائيل سابقة تقتدى في سعي جدي لفرض «حل الدولتين» قبل انقضاء عهده.
باختصار، من حل مشكلتي العراق وفلسطين تبدأ حرب واشنطن الجدية على «الإرهاب الدولي».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو