هذا القرن

هذا القرن

الاثنين - 3 ذو القعدة 1436 هـ - 17 أغسطس 2015 مـ رقم العدد [13411]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

توفي فريدريك نيتشه عام 1900 قبل بداية القرن الأكثر وحشية في التاريخ. لكن حتى دخول البشر في حرب عالمية في أقل من عقدين، كان تشاؤمه من طبائع الناس قد حمله على القول: «ليس في الليل نجوم بل رفوف الوطاويط والبوم».
وبعدما تأمل الفيلسوف البريطاني جوناثان غلوفر القرن العشرين جيدًا، قال في بداية هذا القرن: «يجب ألا نكتفي فقط بالتمعّن في وحشيات القرن الماضي، بل أن ننظر بوضوح إلى الوحوش التي في داخلنا، لكي نتمكن من تدجين وحوشنا وإدخالها أقفاصها».
القرن الحادي والعشرون بدأ فظاعاته عندنا. محمد عطا في برج التجارة 2001، ثم احتلال وتفكك العراق 2003، ومن ثم انحلال الروابط الخُلقيّة في العالم العربي في ظواهر لم يكن يتصورها أحد. العراق نظامًا ومضادات، سوريا وأرقام الموت والخراب غير المحدودة. ليبيا وانفجار شرايين الدماء المحتقنة. اليمن وحرب علي صالح الثانية على الجنوب الذي كان قد أمدّه من قبل، وجعل منه ذليلاً بائسًا عند تسلّط عصبيات الشمال.
«الوحوش التي في داخلنا» ظهرت دفعة واحدة في كل مكان. في الموصل، وفي الرقة، وفي الحسكة، وفي سيناء، وملأت الوطاويط والبوم شوارع القاهرة في الليل. لم يكن الانحطاط سريًا، بل متباهيًا: بيع السبايا، وقطع الأعناق، وإحراق الأحياء في أقفاص. العنف، في القرن الماضي، كان أكثر إبادة ولكن أقل توحشًا. كانت هناك مسافة بين القاتل والضحية. لم يكن ينظر في عينيه ويسمع صراخه.
كل شيء مناخ عام. السلم مناخ، والهدوء مناخ، والرحمة مناخ. ليس في لبنان حرب أهلية الآن. لكن في الشهور الماضية قتل رجال (من طوائف مختلفة) زوجاتهن بعنف همجي لا سابقة له في الجريمة الفردية. وفي منتصف يوليو (تموز) الماضي اختلف رجلان على أولوية السير، فطارد أحدهما الآخر وأنزله من سيارته وراح يطعنه بالسكين أمام زوجته والمارة حتى قضى عليه. أي أنه لم يطلق عليه الرصاص في ثورة غضب، بل ظل يطارده إلى أن طعنه رغم كل التوسلات. لماذا؟ لأن هذا القاتل يعيش في بلد صارت فيه السفاهة والبذاءة والسب ودعوات العنف وتعظيم الحقد والكره والثأر، أمرًا عاديًا. عندما تعبئ وعاءً فارغًا بالغاز السام، ينفجر بالغاز السام.
كان الرجل إذا اختلف مع زوجته يتحاشى الشجار أمام الأولاد خوفًا على تأثرهم بلغة الحقد والسقط. الآن يسمع أي ولد لبناني على التلفزيونات ما يحل له قتل جاره أو أخيه أو الغريب الذي اختلف معه في الطريق. هذا ما يوحي له به كل يوم زعماء البلاد والناطقون باسمهم ومقلّدو سقطهم.
العالم العربي في هذا القرن، معرض مفتوح لانحطاط خلقي يساوي بين الجريمة والمحبة، بين الموت والحياة، بين المجتمع والغابة. دعك من الحيوان، فثمة أعمال كثيرة مما نراه لا يمكن أن يرتكبها. لا فرديًا ولا جماعيًا. وثمة تعابير لا يمكن أن يتلفظ بها لو أُعطي النطق. وثمة كلمات لا يمكن أن يكتبها لو أُعطي كومبيوتر.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو