سِجل السياحة المزعج

سِجل السياحة المزعج

الثلاثاء - 26 شوال 1436 هـ - 11 أغسطس 2015 مـ رقم العدد [13405]

لولا أن وسائل التواصل الاجتماعي أثبتت بالدليل القاطع أن هناك من الخليجيين من هو مصدر أذى نفسي لسكان العالم، لما صدقنا ما يكال إلينا من تهم بسبب هؤلاء البعض بأننا نفتقر لأبسط قواعد الذوق العام. لكن لا مهرب من هذا.
مع هبّة الحر الشديدة وهذه الرمضاء التي نسميها في السعودية والكويت القيظ أو اللاهوب، شدّ كثير منا رحالهم مستهدفين الضحية؛ القارة الأوروبية، خاصة بريطانيا وفرنسا والتشيك وسويسرا والنمسا، التي اكتظت كذلك بغيرهم من السياح الذين قصدوها من الصين واليابان والولايات المتحدة. لكن، وبكل أسف، كأن هؤلاء يحملون شارة أو علامة على صدورهم، تم تمييزهم عن غيرهم بأنهم الفئة الشاذة المستثناة من الترحيب والقبول، بسبب إزعاجهم لسكان الأقاليم بأصواتهم الجهورة وصوت الموسيقى المرتفع، ومشهدهم المؤذي للعين. هؤلاء الذين ظهروا يدخنون الأرجيلة تحت برج إيفل، أو يطبخون غداءهم في الهايد بارك، أو يفترشون سفوح زلامسي ويتركون مخلفاتهم.
لقد كانت أوروبا دائمًا مقصدًا للخليجيين منذ عقود، وكان معظمهم يمثل قومه تمثيلاً حسنًا من حيث احترام الذوق العام وقوانين البلد. ولكن، للأسف لم يكن «تويتر» موجودًا في تلك الفترة ليسجلنا ونحن مهذبون، ولكنه موجود اليوم ينقل سلوك الأشرار لا الأخيار.
ومن الصعب القول إن ما رأيناه كان صادمًا، هذا ليس صحيحًا، هذه المشاهد المحرجة كنا نراها كل صيف في غابة «رغدان» في مدينة الباحة أو مرتفعات «السودة» في عسير أو منقطة «الشفاء» في الطائف بالمملكة العربية السعودية، التي كانت مهوى أفئدة السعوديين والخليجيين. وحقيقة مزعجة، أن نقول إن ما تعودنا على مشاهدته محليًا لم يؤثر فينا طوال هذه السنين، لم ننتقده بالشكل الكافي الذي يمنعه، لم تسن ضده القوانين، لم نشعر بالخجل إلا حينما أصبحنا، بسبب هؤلاء البعض، مادة في تشريعات النمسا وإنجلترا لتحجيم عددنا والحد من سلوكياتنا البيئية الخاطئة. انتقلت السلوكيات المتخلفة من مناطق السياحة في السعودية، مرورًا بماليزيا وإندونيسيا التي سكتت عن مثل هؤلاء خشية من فقدان السائح الخليجي الذي يبحث عن الخضرة والماء والمناخ المعتدل، حتى وصلت هذه السلوكيات المعيبة اليوم إلى أوروبا.
ما الذي حدث حتى تحول السائح الخليجي إلى أوروبا؟ هل ارتفعت مداخيله؟ الحقيقة لا، بل إنه لا يزال ذلك المواطن الذي يحمل عبء غلاء السلع، وفرص امتلاك المسكن المحدودة، وارتفاع البطالة، لكن الذي تغير هي الثقافة. بدأتها الدولة بابتعاث مئات الألوف من الطلبة للدراسة، بعضهم لم يسبق له الخروج من منطقة الخليج في أحسن الأحوال، ثم هذا الانفتاح الإعلامي الذي جعل العالم يصغر شيئًا فشيئًا، حتى أصبح كل بعيد قريبًا. لم تصبح باريس أو لندن أقل غلاء في أسعارها، ولكن الاقتراض من البنوك أصبح متاحًا بتسهيلات أكبر، حيث تشتعل حمى التنافس بين البنوك في حجم الفائدة الأقل لجذب العميل، وهذا الدين الذي يحمله المواطن على كاهله من أجل أن يسيح في أوروبا يعتبر في نظره مقابلاً معقولاً لالتقاط صورة له في أوروبا ونشرها عبر برنامج «سناب شات»!!
إنما هذه الحماقة هي طريق طبيعي أوصل بعضًا منا إلى ما هم فيه اليوم من حماقة التفاعل مع بيئة البلد المضيف.
وبسبب هؤلاء، فإن البرلمان النمساوي اقترح تقليل عدد التأشيرات الممنوحة للخليجيين، ومنح الداخلين للدولة كتيبات تشرح تاريخ النمسا وثقافتها وأزياءها، لأنهم على ثقة بأن هؤلاء السياح لم يأتوا لحضور حفلات موسيقية لبيتهوفن أو شتراوس أو موزارت، ولا لزيارة المتاحف التي تكتظ بها فيينا، أو حتى للتسوق. أما لندن التي تعاني بصمت كل عام، فقد بلغ سيلها الزبى، مع قوافل السيارات الفارهة التي يطوف بها المراهقون شوارع لندن بموسيقاها الصاخبة، مما أزعج السكان وعطل المرور، وبلدية المدينة في طريقها لاعتبار هذه الممارسات جرائم جنائية وليست مخالفات كما هي الحال في كل بلدان العالم.
الحقيقة، وكالعادة، من يسيء لسمعتنا هو سلوك هؤلاء، لم تنبذنا بلدان العالم وتمنع دخولنا أراضيها.. تعاملوا معنا برقي، بأن منا المتحضرون ومنا دون ذلك، فسمحوا حتى للدعاة الدينيين الذين نعتبرهم نحن متشددين بالدخول إليها والاستمتاع بأجوائها وخدماتها، كانوا طيبين معنا، بتعاملهم ولطفهم، لم يستقبلونا لحاجتهم لأموالنا كما يتبجح بعض المدافعين، لأن سياح الصين يدخلون أوروبا كالنمل أضعاف مضاعفة لعددنا، ومثلنا لاقوا الترحيب، ولكنهم عكس هؤلاء الفئة، لم يصبحوا عالة على بيت المضيف.
في رأيي، أن تحجيم عدد التأشيرات الممنوحة للخليجيين فيه حكم عام ظالم لكل سائح خليجي، وتظل فيزة دول «الشنغن» من أصعب الفيز في إجراءاتها.
الاقتراح الأكثر إنصافًا هو أولاً تغريم المخالفين لقوانين وأعراف البلد غرامات مالية باهظة، ومن ثم تدوين أسمائهم ووضعهم في قائمة سوداء لمنعهم من الدخول نهائيًا، مثلهم مثل مرتكبي الجرائم. وإن فعلت هذه الدول إجراءات صارمة كهذه فهي في الحقيقة تحمينا نحن أكثر من حمايتها لنفسها، لأنها ستساعد في تقليص قدرتنا الهائلة في الإساءة لسمعتنا، ستقوم بدور كان يفترض أن تقوم به مثلاً بلدية الباحة وأبها والطائف، ولكن حينما تخلوا عن مسؤولياتهم، قامت بها بلدية لندن وباريس وزلامسي.


[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو