رحّالة الصيف: النمر الخائف

رحّالة الصيف: النمر الخائف

الأحد - 24 شوال 1436 هـ - 09 أغسطس 2015 مـ رقم العدد [13403]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

في هذه الحلقة من مذكراته يصف الأمير يوسف كمال رحلة لصيد النمور:
في السادس والعشرين من شهر أبريل (نيسان) كانت الأخبار حسنة لأن شيخ الصيادين جاء متبسمًا، وقد علمنا بالتجارب إذا أظهر أسنانه البيضاء بين شواربه ولحيته السوداء، أي جاء متبسمًا، كانت الأخبار حسنة، فلما ظهر صباح اليوم اتَّجهت أنظارنا إلى فمه، فرأينا أسنانه اللؤلؤية فقلنا: يُرجى في الأمر خير، وعلمنا منه أن النمر قد قتل جاموسًا، وأنه علَّم المكان الذي به، وأنَّ عددًا من الرجال قد تسلَّقوا الأشجار حتى إذا خرج من الدائرة التي هو بها يُعلم اتجاهه. فأسرعنا بجمع السائقين، ولما كانت الساعة الواحدة بعد الظهر، ركبنا خيولنا، وسرنا قاصدين المحل المذكور، فوصلناه بعد ساعة تقريبًا، ثم نزلنا وجلسنا بمقاعدنا على الأشجار، فسار رجالنا، وعددهم ينوف على مائتي رجل، يسوقون النمر إلينا، ولما ابتدأوا في التحرك بجهتنا، تهيأنا لمقابلة النمر إذا ظهر، ولم يمضِ زمنٌ طويل حتى سمعتُ بعضًا من الرجال الموجودين على الأشجار الكائنين على يساري يصفِّقون بأيديهم، فعلمتُ أنهم رأوا النمر، وأنه يريد الخروج من الدائرة. وبعد برهة سمعتُ زئيره، وبعد ذلك بدقيقتين تقريبًا، سمعت طلقتين متواليتين على يميني.
اشتدَّ هياج الناس، فعلمتُ أن النمر قد انتقل إلى يميني. ثم سمعته مرة ثانية على يساري، ثمَّ رأيته على يميني، وهكذا مرة ثالثة، فزاد أملي وقلتُ في نفسي: لا بدَّ وأن يظهر أمامي حيث أُغلقت في وجهه أبواب النجاة من الجانبين، ولكن لم أدرك إلى الآن السبب الذي من أجله أبى هذا الحيوان أن يتقدَّم إلى الأمام. وصار يحاولُ الخروج من الجانبين فقط، وأخيرًا لما ضايقه السائقون وصوت البنادق، ولم يبقَ بينه وبين الناس أكثر من مائة متر، جاء، ومر بجانب الشجرة التي كان عليها الحكيم اليوزباشي برايلي، فأطلق عليه هذا عيارًا واحدًا ولم يُصبه، وأخيرًا بعد أن نزلنا من المقاعد، وفحصت حالة الغابة، تأكدت أنّ سبب مرور النمر من الجهة التي مر بها هو أولاً خوفه مني لأن مكاني كان غير مستور تمامًا، وكان مجرى بعض المياه يفصل بيني وبين السائقين، أما الجهة التي بها الطبيب، والتي سمعتُ بها تصفيق الرجال، وزئير النمر أول مرَّة، فأشجارها كثيفة ومتصلة ببعضها. ولذا لا شكَّ أن الحيوان المذكور أراد أن يسير على الدوام في أرض مغطاة بالأشجار ولا سيما أنه قد علم بالخطر الذي سيحلَّ به من الجهة المقابلة لخطِّ سيره، وقد شوهد كثيرًا لأن النمر الذي يُساق مرارًا كثيرة ولم يُقتل، يعود أحيانا إلى السائقين وينقضَّ عليهم، وربما قتل منهم واحدًا أو أكثر. فيفتح لنفسه ممرًا ويفرَّ مخترقًا خط السوق فارًا إلى الغابة. وكذا الحلّوف البري كما شاهدته مرارًا في بلاد المجر، وهكذا كانت نتيجة مجهوداتنا اليوم.
ولما انتهت مأموريتنا في هذا اليوم، وعُدنا إلى الخيام، وقبيل الغروب، بارزنا بالسهام على سبيل الرياضة، ثمَّ أخذنا طعام العشاء، ولما كانت الساعة الحادية عشرة، نمنا إلى الصباح.
إلى اللقاء..


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو