وفاة «عبد الرؤوف»... الفكاهي الذي أضحك أجيالاً من المغاربة

وفاة «عبد الرؤوف»... الفكاهي الذي أضحك أجيالاً من المغاربة
TT

وفاة «عبد الرؤوف»... الفكاهي الذي أضحك أجيالاً من المغاربة

وفاة «عبد الرؤوف»... الفكاهي الذي أضحك أجيالاً من المغاربة

توفي أمس (الاثنين)، في الدار البيضاء، عن عمر ناهز 86 عاماً، الفنان الفكاهي عبد الرحيم التونسي، المعروف بلقب «عبد الرؤوف»، الشخصية الكوميدية التي تقمصها منذ ستينات القرن الماضي، وأدخل بفكاهته البسمة إلى بيوت وقلوب المغاربة، محققاً بذلك إجماعهم في متعة تجربته الفنية.
واشتهر عبد الرحيم التونسي، الذي ولد في الدار البيضاء سنة 1936، بفضل شخصية «عبد الرؤوف» الهزلية البسيطة والساذجة التي خلقها لنفسه في بداية مشواره، حيث استطاع أن يحقق، بفضل التلفزيون المغربي، نجاحاً كبيراً، وبرزت شخصيته، التي استوحاها من زميل سابق له في الدراسة كان يُعد تجسيداً لبلاهة ترادف في العامية المغربية كل ما هو مثير للسخرية والتهكم، فاشتهر بأدواره الهزلية ولباسه الفضفاض وطربوشه الأحمر.
وتتفق شهادات المغاربة، بمختلف أطيافهم وطبقاتهم وتوجهاتهم وأعمارهم وتجاربهم الحياتية على الإشادة بمسيرة عبد الرحيم التونسي، وبما مثلته شخصية «عبد الرؤوف» التي تقمصها في ذاكرتهم. وأظهر تفاعل شرائح واسعة من المغاربة مع خبر رحيل عبد الرؤوف قيمة الراحل وتميز تجربته، فهو، كما جاء في تفاعلهم مع رحيله، «الفنان المقتدر»، و«الكوميدي المحبوب»، و«الفنان العملاق»، و«الفنان الرائد»، و«الفنان الكوميدي القدير»، الذي وزع ملايين الصدقات على ملايين البشر، بسمة وضحكة وفرحة.
ولا يمكن لشهادات التقدير والاعتراف بقيمة الراحل، إلا أن تكون أكثر صدقاً وقوة حين تأتي على لسان من يمارس نفس الحرفة والاختيار الفني. وهي شهادات تواترت على مدى سنوات، منها ما قيل قيد حياته، قبل أن تتأكد لحظة وفاته. شهادات يؤكد تجميعها أن الأمر يتعلق بفنان رائد وفكاهي متفرد. فنان أحبه المغاربة لصدقه الفني ولأدواره البسيطة في ظاهرها القوية في معانيها. قال عنه الفنان الكوميدي الشهير جمال الدبوز، «(عبد الرؤوف) هو عميد كل الفكاهيين المعاصرين»، وقال عنه الفنان الكوميدي حسن الفد، «إنه أكثر من مجرد فكاهي، بل هو من أطلق الفكاهة الفردية في شكلها الحديث»، فيما تحدث عنه الفنان الكوميدي جاد المالح، مستحضراً طفولته في الدار البيضاء: «إنه صديق وأخ، بل هو معلمي، هو معلم كل الفكاهيين ورمز لكثير من الهزليين. عندما كنت صغيراً، كنت أشاهد أشرطته مراراً وتكراراً، وكنت، أيضاً، أستمع له كثيراً؛ لأنه في تلك الفترة، كانت أشرطة الكاسيت هي المتوفرة. في غرفتي، كنت أضعها بصوت عالٍ، وكان والدي يصرخ في وجهي بسبب ذلك. كنت أستمتع بعروضه. وعندما أسمعه اليوم، أجد أنه يحتل فعلاً صفحة مهمة من حياتي بالمغرب». أما الممثل عزيز داداس، فلخص قيمة عبد الرحيم التونسي، وشخصية «عبد الرؤوف»، حين قال: «عبد الرحيم التونسي، من خلال شخصية (عبد الرؤوف)، أضحك والدي، قبل أن يضحكني. إنه رمز الفكاهة في المغرب». بالنسبة للفنانة الكوميدية حنان الفاضلي، فإن عبد الرحيم التونسي، الذي سبق أن حظي بتكريم مؤثر سنة 2016، ضمن فعاليات المهرجان الدولي للفيلم بمراكش أمتع الجمهور المغربي بفكاهة حلوة من دون ميوعة، وامتهن التمثيل الشعبي بتلقائية مباشرة، علمتنا أن نضحك على كل شيء حتى لا نبكي على كل شيء، كما كان الناطق الرسمي الساخر باسم الفقراء والمظلومين والبسطاء، وما لم يكن يستطيع المواطن البسيط التعبير عنه، في ذلك الوقت، كان ينقله عبد الرحيم التونسي عبر شخصية «عبد الرؤوف»؛
كما أنه تفادى النمطية بشخصية واحدة، فكانت موضوعاته جريئة وعميقة، لعب فيها على الجميع دور الساذج والمهرج، الذي لا يفهم شيئاً، في حين كان يمرر رسائل ومواقف تفضح آفات كثيرة تنخر المجتمع وتنغص حياة المغاربة، كالرشوة والاستغلال والاحتيال والزبونية، وغيرها.



جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن
TT

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً وإثارةً للجدل. وبهذه المناسبة تُبادر دور النشر الفرنسية والأميركية إلى إعادة إصدار أعماله، بينما تتسابق الصحف ذات الثقل الفكري إلى تقديم قراءات جديدة لإرثه.

والواقع أن هذه العودة ليست مجرد طقس احتفالي أو واجب ذكرى، بل هي دعوة ضمنية لمراجعة الصورة النمطية التي رسختها عقود من القراءات المبسِّطة، والسؤال المطروح الذي تناولته الكثير من المنابر الثقافية في هذه المناسبة هو: هل كان لندن حقاً كاتب المغامرة والطبيعة الجامحة أم أن في الأمر قراءة ناقصة، إن لم تكن خيانة أدبية صريحة؟

وقبل الإجابة، كان الإجماع هو أن لندن قد منح القراء حول العالم متعةً أدبية خالصة، فرواياته الكبرى عن ألاسكا وعن ذئاب اليوكون وعن قسوة الطبيعة التي تبتلع الضعفاء جعلت منه اسماً لا يُنسى في الأدب المكتوب بالإنجليزية، غير أن هذه الشهرة كانت في الوقت ذاته حجاباً سميكاً غط جانباً آخر من شخصيته وكتابته؛ لندن الآخر هو ذاك الذي نشأ في أحضان الفقر، وعمل في المصانع وعلى أرصفة الموانئ قبل أن يكتب، والذي انتسب إلى الحزب الاشتراكي الأميركي ولم يرَ في ذلك أي تناقض مع أدبه.

ولاحظت صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في موضوع نشر بمناسبة ذكرى ميلاده أن «لندن كثيراً ما يُربط بالمغامرة والفضاءات الواسعة والحياة البرية، في حين أن ما يميّزه فعلاً هو حسٌّ اجتماعي حاد جعل منه أديباً يلتقط ما تحجبه الأساطير من حقائق»، ويكشف هذا التصويب النقدي أن المجلة تدعو القارئ إلى إعادة النظر في لندن: لا كاتبَ المناظر الطبيعية بل المراقب الاجتماعي الذي يخترق المجتمع الأميركي من الداخل. وتعتبر رواية «شعب القاع» أو People of the Abyss الصادرة في 1903، تجسيد قوي لهذا التوجه، ففيها لا يقف لندن خارج المشهد لينقله، بل يرتدي ملابس العاطل ويقتحم أحياء الفقر في حي «إيست إند» اللندني ليعيش من الداخل ما كان يصفه غيره من الخارج: الجوع اليومي والسكن الرديء والبطالة المزمنة، وهو ما منحه طابعاً شبه وثائقي يجعله أقرب إلى الصحافة الاستقصائية منه إلى الرواية التقليدية. وقد أشارت قراءات فرنسية متعددة إلى هذه الخاصية بدقة لافتةً، مشيرة إلى أن جاك لندن لا يراقب البؤس بل «يعبره»، وأن هذا التماس المباشر مع العالم السفلي للمجتمع الصناعي هو ما يحوّل كتابته إلى فعل استقصاء حقيقي. فالأدب عنده لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يُصبح أداة معرفية من الدرجة الأولى.

على أن هذه الذكرى قد منحت الصحافة الفرنسية فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي الإمساك بالتناقض الجوهري الذي يجعل لندن أغنى من أي تعريف أحادي. فقد اختارت صحيفة «لوفيغارو» بهذه المناسبة عبارة كاشفة، إذ وصفته بـ«المغامر صاحب الحيوات المتعددة»، وهي عبارة ذات وجهين، فهي تُضيء البعد الأسطوري في سيرته وتُجلّيه، لكنها في الوقت ذاته تُلمّح إلى رجل لا يمكن حبسه في هوية واحدة، ولا اختزاله في قناع بعينه، حيث كان العامل واليتيم والمتسكع والبحار والمستكشف والاشتراكي والمزارع والكاتب الأكثر مبيعاً. أما مجلة «ماريان»، فقد ذهبت أبعد وأجرأ، حين قدّمت لندن بوصفه «الكاتب الاشتراكي غير المفهوم» وهي صيغة تلتقط بدقة التوتر الكامن في مشروعه الأدبي والفكري. فهو من جهة منحاز بوضوح إلى الفقراء والمقهورين، حيث انتسب إلى الحزب الاشتراكي وخطب في التجمعات العمالية وكان أكثر الكتاب الأميركيين قراءة في الاتحاد السوفياتي، ومن جهة أخرى كان معجباً بالقوة الغريزية وفكرة الصراع وبأسطورة الإرادة الفردية، حتى إنه اقتنى مزرعة فارهة في كاليفورنيا ويخت خاص من النوع الفاخر، وكأنه يدين الرأسمالية بقلمه، لكنه يمتلك بيده ما تمنحه من امتيازات.

لا تختلف الصحافة الأميركية في مجملها عن نظيرتها الفرنسية في إعادة تقديم لندن بوصفه أعمق مما تسمح به الصورة الشائعة. ففي اليوم الذي يُصادف عيد ميلاده نشرت مجلة «ذا ساتردي إيفنينج بوست» وهي المجلة الأميركية العريقة التي نشرت «نداء البرية» أول مرة عام 1903 مقالةً بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين» تذكر فيها بأن كثيرين من القراء الأميركيين لم يعرفوا من لندن سوى كاتب المناهج المدرسية، فيما هو في حقيقته «صحافي حرب وكاتب مذكرات، وكاتب فضائح، ومحرّض اشتراكي، ومغامر متسلسل». وقد دعت المجلة إلى قراءة لندن كاملاً: خمسين كتاباً تتضمن الروايات ومجموعات القصص والمقالات والرحلات والشعر، لا مجرد روايتين عن الذئاب والثلج.

وفي الوقت ذاته نشر موقع «بيبلز وورلد» أبرز المنابر اليسارية في الصحافة الأميركية مقالاً تحليلياً للناقدة جيني فارِل بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين: الكعب الحديدي بوصفه أولى ديستوبيات عصر الإمبريالية». وفي هذا النص المطوّل الذي استقطب اهتماماً واسعاً تُقدّم فارِل رواية «االعقب الحديدية» (1908) بوصفها: «أكثر من مجرد رواية سياسية، بل نصاً تأسيسياً في الأدب الديستوبي»، مشيرة إلى أنها ظهرت قبل الفاشية الأوروبية بعقدين كاملين، وتُلاحظ الكاتبة أن لندن رسم في هذه الرواية معالم نظام أوليغارشي يسحق العمال بعنف منظّم، مستنداً إلى تحليله الماركسي لصعود الرأسمالية الاحتكارية في استباق أدبي لما سيشهده العالم بعده.

وتُشير فارِل إلى أن الرواية كانت مصدر إلهام لجورج أوروِل حين كتب «1984»، حسب اعترافه، وهو ما يمنحها موقعاً مركزياً في تاريخ الأدب السياسي الغربي.

أما مجلة «كاونتربنش» الأميركية Counter punch فقد اختارت، قُبيل الذكرى، نبرةً أكثر تعقيداً وأشد جرأة، إذ نشرت موضوع للناقد والمؤرخ الأدبي جوناه راسكين تحت عنوان «جاك لندن الاشتراكي المشهور في عمر المائة والخمسين»

وفي هذه المقالة التي أشعلت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي الأميركي، لم يتوانَ راسكين عن طرح السؤال المُحرج بصراحة: ما الذي يُبقي لندن راسخاً في المناهج الدراسية حين تتجاهل قراءات تلك المناهج جوانب مقلقة في إرثه، من العنصرية إلى التناقض بين خطابه الطبقي وحياته المرفّهة؟، وهنا يُذكّر راسكين بأن إيما غولدمان، الفوضوية الأميركية الروسية الشهيرة وصفته بأنه «الكاتب الثوري الوحيد في أميركا».

على صعيد مختلف، أصدرت «مكتبة أميركا» المرجعية الأكاديمية التي تُعدّ من أرفع مؤسسات التوثيق الأدبي في الولايات المتحدة، في الثالث عشر من يناير (كانون الثاني) 2026 مقالةً بعنوان «رماداً لا غباراً: جاك لندن المتمرد الأدبي في المائة والخمسين» تركز فيها على زوايا من شخصية لندن لا طالما أربكت قرّاءه: كيف يكون المرء ثورياً بالقلم ومترفاً بالسلوك في آنٍ واحد؟

مات جاك لندن عام 1916 وهو في الأربعين من عمره، تاركاً أكثر من خمسين كتاباً وأسطورة أضخم من الكتب. ولعل في رحيله المبكر، شيئاً من المنطق الداخلي لحياة احترقت في الاتجاهين، وفي هذا التوتر بين الجانبين، تكمن فرادة جاك لندن وتظل قراءته اليوم ضرورة لا رفاهية.


الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً
TT

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية للكتابة، بقدر ما يكتب من داخل عالمه البصري والحسيّ، بحيث لا يتحرك السرد وفقاً لمنطق الحكاية التقليدية بقدر ما يتحرك بمنطق اللوحة؛ الضوء، واللون، والكتلة، والفراغ، والعلاقات الدقيقة بين العناصر، لتبدو قصص المجموعة أقرب إلى تكوينات بصرية أو حالات انطباعية منها إلى نصوص تنهض على الحدث.

منذ عتبة القصة الأولى «طبيعة صامتة» يتشكل عالم البطلين كسطحٍ فني يُبنى تدريجياً، لتصبح استجاباتهما الشعورية نفسها أقرب إلى فعل تشكيلي، يقول السارِد عن البطلة: «وحدها من استطاعت، بضربة واحدة من فرشاتها، أن تفتح الدوائر المعتمة من حولي، فينساب الضوء كريماً وشوافاً»، لتسري العلاقة بين البطلين عبر تحوّلات رقيقة تشبه انعكاسات الضوء.

ولا تبدو «الفُرشاة» في عالم القشاوي مجرد أداة للرسم، بل أداة للكشف وإعادة الرؤية، بقدرتها على إعادة تشكيل المجالين البصري والنفسي معاً، ففي قصة «الخط الأبيض العريض» يبدو العالم وكأنه لوحة بصرية مراوغة إذ يقول البطل: «تحوّلت كل الصور إلى حالة شبحية، كأن هناك من أمسك بفرشاة ومرّ عليها حتى صنع فوقها خطاً عريضاً»، وفي الوقت نفسه تقوم بوظيفة كاشفة، حيث «الفرشاة كانت تُزيح أكثر مما تطمس»، وكأن الكتابة هنا تسعى إلى كشط تراكمات الواقع، للكشف عن هشاشته وتفاصيله الخفية

حساسية انطباعية

من هنا يمكن فهم اقتراب القشاوي من حساسية «الانطباعيين»، حيث النصوص لا تنشغل بالتقاط الأشياء في صورتها النهائية، بقدر ما تنشغل بالتقاط أثرها المتحوّل على الحسّ والوعي، وذلك بنوع من «تحييد المعنى» لصالح الإحساس العابر واللحظة الهاربة، فالضوء يتغير باستمرار، والضباب يُذيب الحدود، والألوان تتحوّل إلى خبرات شعورية، كما في قول بطل إحدى القصص المُغرم بالمدرسة الانطباعية «شاهدت لوحة لخمس تفاحات خضراء متجاورة فوق المنضدة، جميعها بدرجة لون واحدة، وحتى التركيز على الظلال لم يكن ظاهراً في اللوحة، والنتيجة كانت أنني أحسست الأخضر كما لم أحسه في المزارع الكبرى»، بل إن اللون نفسه لا يعود مجرد عنصر بصري، وإنما يتحوّل إلى حمولة حسية ووجدانية: «اللون وقد نجح أن يتحوّل إلى وزن»، وهي تمثيلات تُعزز طموح السرد لالتقاط الانطباعات السريعة قبل الزوال.

تبدو الحساسية الفنية هنا جزءاً عضوياً من بناء شخصيات المجموعة وطريقتها في فهم العالم، فأبطال القشاوي غالباً ما يمتلكون وعياً جمالياً فائقاً، أو يرتبطون بالفعل الفني بصورة مباشرة كما في قصة «أربعون غياباً على حوائط حجرة واحدة».

ففي أكثر من قصة يظهر البطل متأملاً لوحة صامتة، أو مشغولاً بطريقة تشكّل الضوء فوق الأشياء، ويبدو أحد الأبطال كما لو كان يتحدث بنبرة تستدعي رسائل «فان جوخ»، لا سيما في استنطاقه الألوان: «أيها الأصفر، أخبرني تاريخ صحراواتك وعبْر ما تشعر به».

شظايا وكولاج

لكن حساسية المجموعة لا تتوقف عند الانطباعية وحدها، بل تمتد إلى نوع من الجماليات القائمة على التشظي والترميم، ففي قصة «طبيعة صامتة» تصنع البطلة منضدة من قطع موزاييك وشظايا زجاج سيارتها بعد تهشمها في حادث قديم، ليصبح الكسر نفسه جزءاً من التجربتين الإنسانية والفنية معاً، يقول السارِد: «المذهل كان تكسيرها للقطع الصغيرة بمطرقة، الأمر الذي جعل لهشيم العالم مساحة واضحة داخل العمل»، وهي عبارة تكاد تختصر الرؤية الجمالية للمجموعة بأكملها، حيث العالم لا يُرمَّم عبر محو الشروخ، بل عبر إعادة ترتيبها داخل قالب جديد يسمح بالحياة فوق الندبة نفسها.

ويتجاوز التشظي مستوى الصورة إلى البناء السردي ذاته، خصوصاً في قصة «إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت»، التي يستعين فيها القشاوي ببنية الرسائل القصيرة داخل الوسيط الرقمي «إنستغرام»، لتبدو الرسائل الشذرية التي يرسلها السارد إلى البطلة وحدات مستقلة تشارك معاً في تشكيل حالة كلية من القلق والهشاشة والزوال، ولذا يقول السارِد إن «الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة».

يظهر الفن في المجموعة بوصفه محاولة لإبطاء العالم وتدبّر اللحظات الهاربة، ففي قصة «الفراشة السوداء» يتأمل الكاتب اندفاعة الحياة البلهاء، ذلك التيار المتواصل الذي يدفع الأشياء والكائنات نحو الاستهلاك والزوال، بينما تبدو الكتابة نفسها محاولة يائسة للحاق بالأثر قبل اختفائه، كما في تلك المفارقة: «انتهى عمر الفراشة وأنا أكتب».

خبرة الحواس

تبدو العلاقات العاطفية داخل المجموعة نفسها قائمة على إعادة تشكيل الإدراك، لا على الحب بوصفه حكاية تقليدية، فالمرأة في القصص تبدو وسيطاً يُعيد من خلاله الرجل اكتشاف العالم والحواس والألوان، ففي «أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع» يُعبَّر عن الحب عبر تفاصيل صغيرة؛ وسادة طبية، سؤال عن مذاق الطعام، حتى المشاعر نفسها تتحوّل إلى تكوينات حسّية، فيقول البطل حينما باغته الحب أنه «شعر بإصبع حنون تضغط على المنطقة التي تقع بين عينيه».

تعتمد قصص المجموعة بدرجة كبيرة على الحواس بوصفها أدوات للمعرفة؛ الرائحة، والصوت، والملمس، ولا تُستخدم بوصفها فوائض وصفية بقدر ما تطمح إلى فهم العالم والتقاط أثره الداخلي، يقول أحد الأبطال: «الرائحة تحفر داخلي مساراً منفرداً»، وفي قصة أخرى يقول بطلها: «في جلستي التي طالت؛ رأيت خيوطاً من الصوف تخرج من بلوزتها ذات الرقبة المرتفعة، ورأيتني أنظر إليها بتركيز حتى اخترقت النسيج، وأحسست الوبر، وتشبعت مسامي بلون الصوف الأصفر الأدكن الذابل الذي يماثل، حد التطابق، لون أزهار الشجرة الضخمة الوحيدة»، وكأن الشخصيات تتنفس المعنى عبر خبرة الحواس البدائية التي تسبق اللغة ذاتها.

وهكذا، تبدو قصص المجموعة بمثابة زوايا مفتوحة على التأمل، وإعادة النظر في مفهوم الزائل، كما وردة الصحراء، أو الفراشة، أو قطعة زجاج، أو حتى الحب نفسه، عبر كتابة تتلمس النقص وتحتفي به، أو على حد تعبير أحد الأبطال: «عدم اكتمال اللوحة أغنانا».


عاصفة تصفيق تستقبل صلاح في ظهوره الأخير مع ليفربول

صلاح مع ابنتَيه قبل انطلاق المباراة (إ.ب.أ)
صلاح مع ابنتَيه قبل انطلاق المباراة (إ.ب.أ)
TT

عاصفة تصفيق تستقبل صلاح في ظهوره الأخير مع ليفربول

صلاح مع ابنتَيه قبل انطلاق المباراة (إ.ب.أ)
صلاح مع ابنتَيه قبل انطلاق المباراة (إ.ب.أ)

بدأ المهاجم المصري محمد صلاح أساسياً في مباراته الأخيرة مع فريقه ليفربول الأحد ضد ضيفه برنتفورد في المرحلة الثامنة والثلاثين الأخيرة من الدوري الإنجليزي لكرة القدم، وذلك بعد أيام من انتقاده أسلوب لعب الفريق تحت قيادة المدرب الهولندي آرنه سلوت.

ويغادر «الملك المصري» ملعب «أنفيلد» بعد مسيرة زاخرة استمرت تسعة أعوام مع النادي، مودّعاً إلى جانب المدافع الاسكوتلندي آندي روبرتسون الذي انضم بدوره عام 2017.

وخرج صلاح (33 عاماً) أخيراً من النفق إلى أرضية ملعب «أنفيلد» تحت أشعة الشمس الساطعة، برفقة ابنتَيه، في حين رافق روبرتسون (32 عاماً) أطفاله الثلاثة.

وقوبل اللاعبان بعاصفة من التصفيق والهتافات عند الإعلان عنهما من قبل مذيع الملعب، في أجواء احتفالية.

ورفعت الجماهير لافتات تحتفي باللاعبين، جاء على إحداها: «شكراً للأسطورتين»، في حين كُتب على أخرى: «انتقلنا من العظمة إلى المجد. صلاح هو ملكنا».

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي عقب خسارة الأسبوع الماضي أمام أستون فيلا، قال الدولي المصري إنه يود رؤية عودة «كرة القدم الثقيلة»، في إشارة إلى النهج الذي كان يعتمده المدرب السابق لليفربول، الألماني يورغن كلوب.

وحاز المنشور إعجاب عدد من لاعبي التشكيلة الحالية الذين عانوا موسماً صعباً بعد تتويجهم بلقب الدوري في الموسم الماضي.

وقال سلوت الجمعة إنه لا يعتقد أن تعليقات المهاجم المصري قوّضته، مضيفاً: «أعتقد أن مو كان سعيداً جداً بأسلوب لعبنا العام الماضي؛ لأنه قادنا إلى الفوز بالدوري».

وتابع: «كرة القدم تغيّرت، كرة القدم تطوّرت، لكننا نريد الشيء نفسه، وهو ما هو الأفضل لليفربول؛ أي المنافسة على الألقاب، وهو ما لم نحققه هذا الموسم».

وسجل صلاح 257 هدفاً في 441 مباراة منذ انضمامه إلى «أنفيلد» عام 2017، ولا يتقدمه في قائمة هدافي ليفربول التاريخيين سوى إيان راش وروجر هانت.

وأحرز مع النادي ألقاباً عدة، بينها دوري أبطال أوروبا ولقبان في الدوري الإنجليزي الممتاز.

وكان أُعلن في مارس (آذار) الماضي رحيل صلاح الذي قال للصحافيين في ديسمبر (كانون الأول) إن علاقته بسلوت وصلت إلى طريق مسدود.

وتصدر اللاعب البالغ 33 عاماً قائمة هدافي الدوري الممتاز في الموسم الماضي برصيد 29 هدفاً، لكن مستواه تراجع بشكل ملحوظ في الموسم الحالي، مكتفياً بتسجيل سبعة أهداف فقط.

ومن المقرر أن يحجز ليفربول البطاقة الخامسة المؤهلة إلى دوري أبطال أوروبا؛ إذ يتقدم بثلاث نقاط على بورنموث صاحب المركز السادس، مع أفضلية كبيرة في فارق الأهداف.