المعلق السياسي ليس باحثاً مختبرياً

المعلق السياسي ليس باحثاً مختبرياً

الأحد - 19 شهر ربيع الثاني 1444 هـ - 13 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [16056]

نتائجُ انتخابات منتصف الفترة، التي جرت يوم الثلاثاء المنقضي في أميركا، لاختيار مرشحين لمجلسي الشيوخ والنواب وحكام الولايات، جاءت معاكسة لتكهنات المعلقين السياسيين. وما أطلقت عليه وسائل الإعلام الأميركية اسم الموجة الحمراء، تكهناً باكتساح الحزب الجمهوري، برمز لونه الأحمر، للمجلسين، والسيطرة على الأجندة التشريعية، لم تتحقق. وأُصيبَ المعلقون بإحباط، وفي الوقت ذاته، فتحوا الأبواب عليهم أمام سهام النقد.
انتخاباتُ منتصف الفترة في أميركا، أو في غيرها من البلدان الديمقراطية، لا تجد في العادة ترحيباً من الحكومات والأحزاب الحاكمة. والسبب، لأن الناخبين يستغلونهم للتعبير عن سخطهم، والتنفيس عن إحباطهم، ضد الحكومة القائمة. ويعبرون عن ذلك بالتصويت لصالح مرشحي الأحزاب المعارضة، أو يتفادون الخروج من منازلهم، والذهاب إلى مراكز الاقتراع، في حالة كونهم من أنصار الحزب الحاكم. الغرض من ذلك إيصال رسالة احتجاج وغضب إلى الحكومة وحزبها بعدم رضاهم. والأحزاب المعارضة، بحكم التجارب والخبرات المتراكمة، تعي تلك الحقيقة. وبالتالي، لا تعول كثيراً على فوزها الانتخابي الظرفي، وإن كانت تستفيد منه باستغلاله سياسياً في مراكمة الضغوط على الحكومة القائمة، وفي الترويج الإعلامي ضدها. الكثير من الأحزاب الحاكمة تخسر انتخابات منتصف الفترة، لكنها في الانتخابات العامة، أو الرئاسية، غالباً ما تستعيد أصوات الناخبين الذين هجروها. وما حدث في أميركا، مؤخراً، كان من المفترض أن يسير على نفس تلك الوتيرة المتعارف عليها بين الناخبين والحاكمين، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وبالتالي، فإن المعلقين، في تكهناتهم عن الانتخابات، يأخذون في الاعتبار تلك الحقيقة. وما حدث مؤخراً في أميركا، هو أن الناخبين، أو بالأصح جزءاً منهم، صوتوا مع مرشحي الحزب الديمقراطي الحاكم، وبشكل فاجأ الديمقراطيين والجمهوريين والمعلقين الإعلاميين ومؤسسات استبيانات الرأي العام. وبالطبع، رحب الديمقراطيون على لسان الرئيس جو بايدن بما حدث، وفسروه لصالحهم، بادعاء أن الناخبين قرروا دعم الديمقراطية الأميركية خوفاً من التهديدات التي تواجهها من قِبل الحزب الجمهوري، تحت تأثير الرئيس السابق دونالد ترمب. التفسير لا يخلو من وجاهة. وهو، حتى لا ننسى، تفسيرٌ عجنته وخبزته وسوقته الآلة الدعائية للحزب الديمقراطي. وقد نتفق معه أو نختلف، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، عزا قياديون في الحزب الجمهوري فشلهم في اكتساح الانتخابات، والسيطرة على المجلسين، إلى سوء اختيار الرئيس السابق ترمب للمرشحين، لانعدام كفاءتهم وقدرتهم ومهارتهم السياسية. وأن الاختيار تم على أساس الولاء له شخصياً. التفسير الجمهوري للفشل لا يختلف مصدره عن نظيره الديمقراطي. أي تصنيع وإعداد مشجب بسرعة يليق بتعليق الخسارة عليه. وسائل الإعلام الأميركية والغربية، على اختلافها، قدمت قراءة مغايرة لما حدث، واعتبرت أن فشل الجمهوريين، في اكتساح المجلسين التشريعيين، يعد فشلاً للرئيس السابق ترمب، ومؤشراً على أن حظوظه في الفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة ليست مضمونة، كما يتوقع ويأمل هو وأنصاره. ومن الأفضل على الجمهوريين التفكير في مرشح آخر، إذا كانوا ينوون استعادة البيت الأبيض من الحزب الديمقراطي، وهم يعنون بذلك، تحديداً، التفكير في اختيار حاكم ولاية فلوريدا رون دي سانتيس، الذي حافظ على منصبه، من خلال تحقيقه فوزاً انتخابياً لافتاً للأنظار ضد خصمه الديمقراطي. الانتقاد الذي تعرض له المعلقون السياسيون، لم يكن منصفاً لهم، لأسباب عديدة.
أبرزها، في نظري، أن أميركا منقسمة. وبدا ذلك واضحاً في نتائج الانتخابات. وأن المعلق السياسي ليس مُنجماً يدعي قدرة على قراءة الغيب، وليس باحثاً في مختبر علمي كذلك، بل هو شخص، ضمن فريق كبير، من المعلقين الموجودين في ساحة سياسية معينة، يؤسس تحليلاته، ويستخلص النتائج على أساس الاحتمال والترجيح، بناءً على معرفته بتفاصيل تلك الساحة ولاعبيها وتاريخها، وتطوراتها. وحين يتطوع بكتابة رأي سياسي حول حادثة أو تطور معين - الانتخابات على سبيل المثال - فإن رأيه يُبني ويُؤسس على تلك الخبرات والمعارف والتجارب. وما يقدمه من خلاصات في النهاية، لا تتعدى كونها تكهنات، قد تصدف في التوقع، أو تخطئ. فهو يقدم تحليلاً سياسياً، وفي نهايته يتكهن بنتيجة معينة لتلك الحادثة. خطأ التكهن النهائي، أو النتيجة النهائية التي يصل إليها في قراءته، لا يعني، في رأيي، خطأ التحليل. وأن خطأ المعلقين الإعلاميين في أميركا في التكهن بنتيجة انتخابات منتصف الفترة، لا يقلل من شأنهم، ولا يسحب البساط من تحت أقدام مصداقيتهم، ولا يحول بينهم وبين الخوض مجدداً فيما يتلو ذلك من تطورات وأحداث. وهم في ذلك مثل ما تقع فيه مؤسسات استبيانات الرأي العام من أخطاء، في التنبؤ بتوجهات الناخبين. لكن تلك الأخطاء لم تلغِ أهميتها، أو انتهت بها إلى إغلاق مقراتها، وتسريح العاملين بها من باحثين وخبراء ومحللين.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو