الثابتُ والمتحوّل

الثابتُ والمتحوّل

الخميس - 2 شهر ربيع الثاني 1444 هـ - 27 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [16039]

ليس المقصود بالعنوان أعلاه، كتاب الشاعر أدونيس المعنون «الثابتُ والمتحولُ»، بل المقصود الثابت والمتحول في 10 داونينغ ستريت، مقر رئيس الحكومة البريطانية، حيث إن الملاحظ أن ساكني المبنى، والعاملين في مكاتبه متحولون، وأن الثابت اثنان: القط ومنصة القراءة. القط الموجود حالياً اسمه لاري، «موظف رسمي» بالحكومة، ومهامه تنظيف المبنى التاريخي من الفئران. وهو ثابت في وظيفته إلى لحظة بلوغه التقاعد، حيث يستبدل به قط آخر، أصغر سناً، ولكن بنفس الدرجة الوظيفية والمهام. الثابت الثاني في المبنى هو المنصة الصغيرة (Podium) التي تظهر خارج المبنى في حالتين؛ في المرة الأولى، لدى حلول رئيس حكومة جديد بالمبنى، ولدى مغادرته، مغادراً المنصب والمبنى في آن معاً.
الهدف في هذه السطور التركيز على المنصة الصغيرة، على اعتبار أنها حظيت بالبروز كثيراً خلال السنوات الأخيرة، وتعامل بتجاهل ملحوظ من وسائل الإعلام، على عكس ما يحظى به القط من اهتمام. وخلال الأسابيع الستة الماضية حظيت تلك المنصة الصغيرة بشرف الظهور مرتين، وهي أقصر مدة تقريباً، في كل تاريخها، (44 يوماً فقط، وهي مدة بقاء السيدة ليز تراس في الحكم) منذ أن تم تبنيها من قبل المسؤولين في ذلك المبنى، لتكون جزءاً من طقوس عرس الاستقبال لدى قدوم رئيس حكومة جديد، وطقوس مأتم المغادرة، لدى خروجه.
في اللغة الإنجليزية يسمونها «Podium» ويعنون بها المنصة الصغيرة المخصصة للقراءة، كما يؤكد التفسير القاموسي. وفيما يخص المنصة المستخدمة في 10 داونينغ ستريت، فهي لا تختلف عن غيرها من المنصات التي يلاحظها المرء خلال الندوات ومهرجانات الخطابة، وغيرها من المناسبات. ما يميزها هو أن مقدمتها التي تواجه المشاهدين، على شاشات القنوات التلفازية لدى العرض، مُعلمة بدائرة معدنية دائرية سوداء اللون، صغيرة الحجم، مزدانة بطلاء أبيض، لرسم يمثل التاج الملكي البريطاني، محروساً برمزيه الأسد والحصان. المنصة مجهزة بعدد اثنين من مكبرات الصوت.
العادة جرت أن يُلقي الساكن الجديد في 10 داونينغ ستريت، لدى قدومه محملاً بثقة البرلمان وختم القصر الملكي، كلمة بالمناسبة، تنقلها وسائل الإعلام على الهواء مباشرة، يعلن فيها بزهو بداية عهد جديد، مؤكداً أنه سيقود الأمة إلى الرخاء. قبل وصوله إلى ذات المكان، يقوم العاملون في المقر بإخراج تلك المنصة الصغيرة، ووضعها أمام الباب الرئيسي. الساكن الجديد، يأتي في العادة برفقة زوجته وأولاده، ومجهزاً بخطاب مكتوب. بعد الابتسامات والتحيات برفع اليدين عالياً، والانتهاء من التقاط الصور، يقوم بإخراج ورقة الخطاب من أحد جيوب سترته، وفردها على المنصة، ثم يبدأ القراءة.
لدى الانتهاء من تلك الطقوس أو المراسم، يسرع العاملون، بهمة ونشاط، إلى سحب المنصة وإرجاعها إلى مكانها داخل المبنى.
العملية ذاتها تتكرر لدى مغادرته المنصب والمقر، ليقرأ على عجل خطاب الاستقالة، ويختفي في صحارى النسيان. بالتأكيد، هناك اختلاف بين المناسبتين.
في خطاب الدخول إلى المقر، تحضر الابتسامات والتحايا والتصفيق من العاملين في المقر ومن المستشارين والأصدقاء، وقد اصطفوا جانباً، مبتسمين مهنئين ومرحبين. في خطاب الخروج - الاستقالة - المغادرة (سمه ما تشاء) تحضر المنصة والصحافيون والمصورون والقنوات التلفازية، وأسرة رئيس الحكومة المغادر، أو بعضهم، وتغيب الابتسامات والتحايا، ويحل مكانها عبوسٌ وحزنٌ وأسى. وفي حالة أن رئيس الحكومة المغادر امرأة وليس رجلاً، من المتوقع جداً حضور البكاء والدموع.
أحياناً، بسبب الظروف التي تكتنف تلك اللحظات، والسرعة التي تم بها الأمر، لا يتم إحضار الجمهور قصداً، وهذا يعني غياب التصفيق. وبالتأكيد، هناك حالات استثنائية (وداع بوريس جونسون على سبيل المثال).
صحافيو قرية ويستمنستر، بحكم العادة، يعرفون ماذا يعني في الحالتين، سحب المنصة من مكانها في المبنى، وإخراجها ووضعها أمام الباب الرئيسي، ويسمونها «Podium Job». وهم، بحكم المهنة، أكثر سروراً لمرأى خروج المنصة من مخبئها، ليس في حالة دخول المبنى بل العكس. لحظات دخول المبنى من زاوية المهنية الصحافية متوقعة جداً، ولا تختلف عن حالة كلب عَض رجلاً. أما في حالة الخروج فالأمر يختلف، وتجعل لعاب الصحافيين يسيل، وأكثر مدعاة لاهتمام القراء والمشاهدين والمستمعين، كما لو أن رجلاً عَض كلباً.
طقوس الاحتفال بدخول رئيس حكومة للمبنى تكون معروفة مسبقاً لكل العالم، وليس للبريطانيين فقط. وبالتالي، تكون كمية الإثارة الصحافية قليلة، وأقرب ما تكون إلى عملية توثيق روتينية. أما الخروج والمغادرة فإنه مثل الموت يحدث فجأة، ولا يعلم به إلا فئة قليلة مقربة من الشخص الميت. وعادة، ما يحدث الخروج في وقت يكون الصحافيون مشغولين في أماكن أخرى في قرية ويستمنستر. لكنهم منذ لحظة سماعهم بإخراج المنصة يتركون ما بأيديهم من أشغال، ويهرعون إلى 10 داونينغ ستريت ركضاً ووثباً، والسبب هو أن المنصة الصغيرة تتحول تلك اللحظات إلى مقصلة. وخطاب رئيس الحكومة المغادر، يصير مثل آخر كلمات يسمح بها لمحكوم عليه بالإعدام.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو