حديث الأخلاق وحديث التفوق

حديث الأخلاق وحديث التفوق

الجمعة - 25 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 21 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [16033]
رضوان السيد
عميد الدراسات العليا بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية - أبوظبي

عندما نشر الكاتب الأميركي الشهير جوزيف ناي كتابه بعنوانه المميز: هل تعني الأخلاق شيئا (في السياسة الخارجية الأميركية)؟ كان فرنسيو صحيفة «اللوموند» هم الأكثر سخرية منه. وقد قال ناقد ألماني: ليس المشكلة في أن الأخلاق لا تعني شيئا في السياسة الخارجية الأميركية، بل المشكلة أن جوزيف ناي جاد في سؤاله، وهو كما يتبين من استعراض فصول الكتاب لا يسخر ويخلط بين النقد الخفيف والنصيحة، ويعتقد أنه يُسهم في تجديد الثقافة الأميركية!
لقد تغيرت الأمور كثيراً خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة، سواء داخل الولايات المتحدة أو في علاقاتها بالخارج حتى مع أوروبا ودول التحالف الأطلسي. وجوزيف ناي ليس من الإنجيليين القدامى ولا الجدد، لكنْ هناك فئات قوية أو نافذة بين المثقفين وأوساط الرأي العام لا تزال تحمل قيم «المدينة على الجبل» أي الطاهرة أو المقدسة بحسب الإنجيل. وتبقى لدى أمثال جوزيف ناي وهنتنغتون وحتى ذوي الأصل الغريب مثل فوكوياما، دعوى التفوق الأخلاقي شأن آباء الدستور الأوائل. فهذه الثقافة تنامت بعد نجاح النظام الفيدرالي على أثر الحرب الأهلية، وسرتْ مقاييسها أو اعتقاداتها في العلائق مع الخارج أكثر من الداخل.
لماذا هذا الكلام الآن على ثقافة التفوق الأخلاقي وتأثيراتها في السياسة الخارجية الأميركية، والتوترات مع الصين وروسيا، وأخيراً الحرب الروسية على أوكرانيا؟ في كل هذه المشكلات التي أثارتها الولايات المتحدة أو تدخلت فيها، كان الأميركيون حريصين على إبراز الطابع الأخلاقي الذي يميز الثقافة الأميركية والذي يؤثر في سياسات التدخل الأميركي في شتى أنحاء العالم.
وعلى سبيل المثال فإن جوزيف ناي الذي لا يُدينُ بقوة استعمال السلاح الذري ضد اليابان، يعود فيعتبر تصرف الرئيس ترومان أخلاقياً لأنه لم يستخدم سلاح الدمار الشامل ثانية في الحرب الكورية! وهو يجد دائماً عذراً (أخلاقياً) لهذا التصرف أو ذاك من جانب الرؤساء الأميركيين حتى دونالد ترمب. لكنه يجد نفسه ضد الرؤساء الأميركيين الثلاثة الذين سعروا حرب فيتنام: كيندي وجونسون ونيكسون.
وبقدر ما يعتبر أن الأخلاق لا تزال تلعب دوراً مشجعاً أو وازعاً، بقدر ما يلاحظ كثرة الإشارة في العقود الأخيرة إلى المصلحة القومية أو الوطنية الأميركية. بمعنى أن هذا التدخل أو ذاك يُعلل بالمصلحة القومية. لكنه لا يجد تعليلاً للتدخل في الصومال والبوسنة وكوسوفو ونواحٍ أخرى من أفريقيا أو آسيا وأوروبا إلا الأمن العالمي وحقوق الإنسان، وهي بهذا المعنى مسائل أخلاقية أيضاً!
ويتوسع ناي في ملف الحريات الدينية، لأن الطابع الأخلاقي ظاهر فيه من مثل الحملة على اضطهاد الروهينغا المسلمين في ميانمار واضطهاد الأويغور في سينكيانغ بالصين. هنا تبدو مبادئ الحريات الأميركية في أفضل تجلياتها!
وهو متحيزٌ في الحكم على مصائر الحرب العالمية على الإرهاب التي قادتها أميركا وتقودها. ويرجع ذلك إلى أن الولايات المتحدة بغزوها للعراق على وجه الخصوص شاركت في إحياء «القاعدة» وصعود «داعش»، لما أثارته تلك الحروب من تدمير لبنى الدول، وإثارة للأحقاد ذات المدى الطويل.
وإذا قلنا إن الولايات المتحدة غزت أفغانستان لانطلاق «القاعدة» منها، فلماذا غزت العراق؟ هل صحيح أن السبب كان تدمير أسلحة الدمار الشامل غير الموجودة، أو إسقاط الديكتاتور وبناء الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ يشك جوزيف ناي في ذلك، لكنه يتعزى بأن «طالبان» وصدام حسين، كلا الفريقين ما عاد يمكن احتمالهما! فهل هذا الحكم استراتيجي أم أخلاقي؟ يقول جوزيف ناي إنه استراتيجي، ويمكن أن يدخل في الاعتبار أن الولايات المتحدة في حقبة الهيمنة (1990 - 2008) (وهو لا يسميها كذلك بالطبع) كانت حرة اليدين، وشعر سياسيوها أنهم يستطيعون اتخاذ قرارات من أجل مستقبل القوة الأميركية؛ وبالطبع فإن الأخلاق ما لعبت دوراً بارزاً في الغزوات. إنما الذي يستغربه أن قلة قليلة بالفعل اعترضت على غزو العراق: فهل لأن الغالبية صدقت دعاوى وجود أسلحة الدمار الشامل عند صدام؟ لا يصدق ناي ذلك، لكنه يبدو شديد التشكك أيضاً في قدرة الولايات المتحدة على إعادة بناء الديمقراطية في العراق أو في فنزويلا!
لماذا هذا التشكك؟ هل لأن الدوافع الاستراتيجية والأخلاقية لم تعد حاضرة؟ الدوافع الاستراتيجية على الخصوص حاضرة بقوة. لكنْ ظهر منافسون كبار وصغار للولايات المتحدة، وهي مضطرة للتعامل معهم بقسوة أو بدبلوماسية لبلوغ الأهداف، وأحياناً يكون هناك تنكر لروح أميركا الأخلاقية والاستراتيجية. يمكن للرئيس ترمب أن يهدد أوروبا بذبح الأطلسي إن لم تدفع من النفقات أكثر. وكذلك الأمر مع السعودية. لكن أن يطلب علناً من الأوروبيين والسعوديين الدفع أكثر مقابل استخدام الجيوش، فهذا تحويل للجيش الرسالي الأميركي (المصلحة الوطنية والأخلاق!) إلى مجموعات من المرتزقة. وقد امتدح الرئيس ترمب قطر لأنها دفعت 8 مليارات دولار لتطوير قاعدة العديد الأميركية على أرضها. ناي غير مرتاح لأن الأمر ما عاد رسالة ولا حتى براغماتية. فهل وصلت أميركا إلى هذه الدرجة من الضعف، وتلتمس المساعدة من حلفائها للاحتفاظ بتلك الجيوش الكبيرة؟!
وبالطبع ما وصل ناي في كتابه إلى الحرب الروسية - الأوكرانية. لقد بدت الولايات المتحدة متفوقة في كل شيء، في التسلح والتسليح، وفي ضم الحلفاء، وفي الإمداد بالطاقة كل أولئك الذين قاطعوا روسيا أو قاطعتهم. وهذا فضلاً على مليارات الدولارات التي تتدفق على أوكرانيا وغيرها. ووسط هذا الكرم الزائد لا تنسى دولة الرسالة والأخلاق مصالحها. فقد شكا الرئيس الفرنسي أن الأميركيين يبيعون الغاز بأربعة أضعاف السعر العادي قبل أشهر!
يريد الأميركيون المسيسون أن يظلوا مؤمنين بالتفوقين: الاستراتيجي والأخلاقي. فالفرنسيون الذين راجعوا كتاب ناي ذكروا أربعة كتبٍ أُخرى منذ العام 2014 بنفس المعنى. ومرة أخرى: ما صدقت أميركا متى تخرج من العراق، لكنها عام 2015 وفي مواجهة «داعش» عادت بعشرات الألوف، وجلبت معها عشرات الدول. البعض شبه حشدها بالحشد عند احتلال الكويت. وأميركا ما كانت مهددة مباشرة من «داعش»، فلماذا لا يمكن الزعم أن الدوافع الاستراتيجية والأخلاقية (الدفاع عن الإنسان والحضارة) لعبت دوراً في عودة الأميركان للعراق؟ وقد خرجوا الآن من جديد باستثناء عناصر التدريب. لكن الإيرانيين يقولون: هناك 2000 أميركي في المنطقة الكردية بالعراق!
ولندع أخلاقيات ناي قليلاً، ولنذهب باتجاه المقولة الأخرى: عالم ما بعد أميركا. وبهذا المنطق تكافح الولايات المتحدة بشدة حتى لا يأتي زمان ما بعد أميركا؛ وسلوكات تشبه سلوكاتها في الحرب الباردة، بالتحرك على عدة جبهات في سائر أنحاء العالم. وقد كان الكبار يحذرون من بدء الحرب الاستراتيجية ومن يبادر إليها. وما اضطروا لذلك فقد أغار بوتين بعد القرم (2014) على أوكرانيا كلها. فهل كانت الولايات المتحدة تنتظر من يعلق الجرس لتشن حرباً استردادية تبدو فيها روسيا مهزومة ولو أخلاقياً بمقاييس ميثاق الأمم المتحدة، وترتيبات مجلس الأمن؟!
بالطبع يعرف ناي كتاب فوكوياما (2016): الكرامة. لكن فوكوياما يشتغل على المجتمعات وتنافساتها وتداخلاتها. أما ناي فهو رجل دولة والأخلاق عنده يمكن أن تكون سياسات استراتيجية. لكن الملفين يكادان يترابطان. وذلك بسبب الميل الغلاب للساسة الأميركيين والمفكرين للزعم أنهم يتصرفون بأقل من قوتهم الاستراتيجية بكثير، والأفضل للأوروبيين تفاوضات شراكات وليس أمراً من بوتين أو الرئيس الأميركي. وعلى كل حال على الجميع أن ينتظروا ليس ليعرفوا ماذا يحدث؛ بل مدى قدرة الولايات المتحدة وصبرها وكفاحها من أجل ألا تجد نفسها وقد حل محلها الروس أو الصينيون أو الطرفان معاً، وقد أرغموا أميركا على أن تقبع فيما وراء الأطلسي!
في الأزمات الكبرى - يقول الفرنسيون - لا أحد يسأل عن الأخلاق. وإنما يتحدث عن الأخلاق المرتاحون، بينما يزعم فوكوياما أن لدى الولايات المتحدة من خلال تجربتها الغنية، شيئا من السر والسحر وإن خالطهما في العقود الأخيرة الضياع بين الداخل والخارج.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو