إثيوبيا: هل يحظى السلام بفرصة؟

إثيوبيا: هل يحظى السلام بفرصة؟

الأحد - 12 جمادى الآخرة 1443 هـ - 16 يناير 2022 مـ رقم العدد [15755]

مسافة الألف ميل التي تقود إلى سلام قائم على المصالحة والوفاق في إثيوبيا، بين مختلف المكونات الإثنية التي تصل أعدادها إلى ثمانين مجموعة إثنية، تبدأ بخطوة. الخطوة المأمولة تأخرت أكثر من عام وآلاف القتلى والجرحى والأسرى. لكنها، أخيراً، حدثت في الأسبوع الماضي. وقام بها رئيس الحكومة آبي أحمد، بإعلانه استعداده لبدء التفاوض مع خصومه التيغرانيين.
في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 اشتعلت نار الحرب فجأة، في إثيوبيا. نيران الحروب، في العادة، سهلة الاشتعال، لكنها صعبة الإخماد. والصعوبة ناشئة من عدم قدرة الأطراف المتحاربة على الحوار إلا بالقنابل والرصاص والتهديد والقتل والتدمير. لا أحد من الأطراف المتحاربة على استعداد للإنصات إلى صوت العقل. ومن الطبيعي جداً أن تكون الحقيقة أول ضحايا الحروب.
رئيس الحكومة آبي أحمد بدأ المبادرة بإطلاق سراح قادة سياسيين تيغرانيين ومن فصائل سياسية أخرى، وأسرى من جيش التحرير التيغراني، بعد نجاح قوات الحكومة في تحقيق انتصارات عدة في الفترة الأخيرة. آبي أحمد قال مبرراً الإفراجات بقوله «أحد الالتزامات الأخلاقية للمنتصر الرحمة». التركيز كان أكثر على مفردة المنتصر منها على كلمة الرحمة، للفت الأنظار إلى ما حققته قواته مؤخراً، عقب الخسائر المذلة التي مُنيت بها خلال الأشهر الماضية. الانتصارات حدثت بعد حصول حكومة آبي أحمد على طائرات مسيّرة تركية، غيرت ميزان المعارك، وأدت إلى تراجع التيغرانيين من المدن والقرى التي كانوا يحتلونها. خلال الشهرين الماضيين كان التيغرانيون يقفون على بعد مائتي ميل شمال العاصمة أديس أبابا، ويهددون باقتحامها. الآن، حان الدور، مرة أخرى، على العاصمة التيغرانية ميكيلي.
تصريح رئيس الحكومة الإثيوبية بمثابة أول هدية قدمها العام الجديد 2022 لإثيوبيا وأفريقيا والعالم. الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس الاتحاد الأفريقي رحّبا بحرارة بالمبادرة الحكومية، وأشادا بإطلاق سراح المساجين السياسيين والأسرى، وطالبا بضرورة عقد حوار ومصالحة، وبضرورة فتح المعابر أمام قوافل الإغاثة الإنسانية. وبعدهما فعل الرئيس الأميركي جو بايدن، خلال مكالمة هاتفية مع رئيس الحكومة آبي أحمد. ولم ينس، خلال تلك المحادثة، أن يندد بما قام به سلاح الجو الإثيوبي من هجوم على مخيم للاجئين، خلال الأسبوع الماضي، أدى إلى مقتل وجرح الكثيرين.
من الملاحظ أن المُسيّرات الحربية التركية أصبحت عنصراً فعالاً في الحروب. فهي من قضى على المقاومة الكردية المسلحة في الجبال. بعدها، حسمت معركة طرابلس العاصمة الليبية، وأدت إلى تراجع قوات المشير خليفة حفتر إلى مدينة سرت قرابة 500 كيلومتر شرقاً. كما أدت إلى هزيمة الأرمن أمام القوات الأذربيجانية في ناغورني قره باغ. وها هي مرة أخرى تتدخل وتغيّر ميزان القوى في الحرب الأهلية الإثيوبية. لكن السلام الموعود في تلك المناطق لم يتحقق بعد؛ لأن شروطه لا تتوفر إلا على طاولات التفاوض. وحين ترفض الأطراف المتحاربة أو بعضها اللجوء إلى التفاوض، يظل السلام سراباً ليس في المتناول. والسلام الإثيوبي المأمول لا يختلف عن سراب السلام الليبي. وإعلان رئيس الحكومة الإثيوبية بأن الحوار هو ما يضمن الحفاظ على الوحدة في البلاد، يفتح باباً يقود بعيداً عن ميادين المعارك، لكنه لكي يؤتي ثماره لا بد له من تلقي استجابة مماثلة من ميكيلي. وفي العاصمة ميكيلي، لم يصدر عن القيادة التيغرانية ما يفيد أن الدعوة للحوار وجدت صدى لديها. القادة التيغرانيون طالبوا الأمين العام للأمم المتحدة بفرض منطقة حظر جوي تحُول دون قيام الطيران الحكومي بهجمات على المدن والقرى التيغرانية. كما طالبوه بفرض حصار على تصدير السلاح لحكومة أديس أبابا. واعتبر معارضون للسيد آبي أحمد أن مبادرته للسلام الأخيرة ليست سوى دعاية رخيصة؛ لأن قواته الجوية ما زالت فعلياً تقوم بالإغارات على التيغرانيين.
والتيغرانيون، يقول المعلقون، لن يرضوا بأقل من عودتهم إلى سلطة اضطروا إلى التخلي عنها بعد قرابة ثلاثة عقود من السيطرة على مقاليدها. وحين تسلمها السيد آبي أحمد قام بمبادرة مصالحة وطنية استحق عليها جائزة نوبل للسلام عام 2019، ودعا إلى وحدة البلاد. وعقب سنوات ثلاث أضحى الاتحاد الإثيوبي في مهب الريح. وامتلأت مخيمات اللاجئين على الحدود مع السودان باللاجئين، كما فاضت المخيمات في الداخل بالنازحين. واتُهم الجانبان، من قبل منظمات حقوق الإنسان، بارتكاب مجازر حرب، وصدرت دعوات تطالب بسحب جائزة نوبل من آبي أحمد.
قطار السلام الإثيوبي ما زال جاثماً في محطته، في انتظار إشارة التحرك. ويبدو أن دعوة رئيس الحكومة للحوار والتفاوض ليست بكافية، وفي حاجة ملحة إلى أفعال تدعمها على الأرض، ومن أهمها وقف العمليات الحربية، وفتح الطرق أمام قوافل الإغاثة الإنسانية لكي تصل إلى المناطق المتضررة بحمولتها من الأغذية والمستلزمات الطبية الضرورية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو