غريب في العرس

غريب في العرس

الأحد - 22 جمادى الآخرة 1436 هـ - 12 أبريل 2015 مـ رقم العدد [13284]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

«أخبريني يا أمي، إذا لم نقرأ، هل نموت؟». إنه السؤال الذي يشغل بال الطفل أليكسا، في قصة للمخرج أمير كوستوريسا. وترد الأم المولعة بالقراءة بأن تشير إلى بطن الولد وتقول له إن الصرة هي باب الروح، والمطالعة هي زادها. وأليكسا، الذي هو المؤلف نفسه، لم يعد طفلا منذ اليوم الذي طرق فيه ساعي البريد باب بيتهم حاملا مغلفا موجها له. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتلقى فيها بريدا يحمل اسمه، أليكسا كاليم. فقد أرسلت له العمة آنّا كتاب «سنوات الحمار» للكاتب اليوغوسلافي رانكو كوبيتش، أحد معارفها. وطبعا، فإن الولد الذي لم يبلغ العاشرة، بعد، كان يتمنى لو أن عمته تعرف لاعب كرة القدم عاصم فرحاتوفيتش فتحصل له على تذاكر مجانية لإحدى مبارياته.
في ذلك اليوم، ذهب الولد إلى المدرسة، واستخدم مراحيض الطلبة الكبار. هل يليق بمن يتسلم كتابا بالبريد، باسمه وعنوانه، أن يشرشر مع الأطفال؟ كان يكره الكتب فصارت متعته. واشتهر بين رفاقه بأنه قارئ الروايات. ولما عوقب صديق له بأن يقرأ رواية «الأحمر والأسود» لستاندال، تطوع ألكسا لحل المشكلة وروى له الحكاية شفهيا. وكانت والدة الصديق قد ربطت ساقه إلى مغسلة البيت بحبل المكواة، ووضعت أمامه 150 قطعة صغيرة من اللحم المقدد. وكان عليه أن يكتفي بقطعة واحدة كلما أنهى صفحتين من الكتاب. والقراءة التي كانت عقوبة صارت زاد الروح. وحين كبر أليكسا قليلا، تسنى له أن يرى رؤية العين رانكو كوبيتش، مؤلف «سنوات الحمار»، أول كتاب قرأه في حياته. ثم تفتتت يوغوسلافيا، ولم يعد رانكو يجد قراء يحتفون به ويأتمنهم على أبطال رواياته، فسار على جسر في بلغراد، وتسلق السياج، ورأى عجوزا تحييه بإشارة من يدها، أو تطالبه بالكف عن تلك اللعبة الخطرة، فرد تحيتها ورمى بنفسه في نهر الساف، أحد فروع الدانوب.
صدرت مجموعة قصص أمير كوستوريسا مترجمة إلى الفرنسية بعنوان «غريب في العرس». إن الشاعر، أو الفنان، هو ذاك الكائن الذي يجد نفسه غريبا في كل الأعراس، فيعبر عما يراه من صور تستعصي على أبصار الآخرين، وبصائرهم. والقارئ حين يطالع هذه القصص يدرك أن المؤلف لا يبتعد كثيرا عن تفاصيل حياته الخاصة ووقائع طفولته. إنه واحد من أبناء الشعوب التي كتبت عليها لعنة التمزق و«الهويات القاتلة». صربي أم بوسني؟ مسلم أم أرثوذكسي؟ أسئلة تتداخل فيها الأصول وتتشابك اللغات، فلا يعود يمكن الفكاك منها إلا بالحفر في الذات والاحتماء بالجوهر الإنساني المشترك. وهي أيضا قصص تشبه كثيرا الأفلام التي أخرجها، أي تركيبة مدهشة من الأسى والطرافة والترحال والغرام والموسيقى، في إطار جمالي أخاذ. إن الكتابة، بالنسبة إليه، هي المتعة. أما الإخراج فهو الخدمة العسكرية.
والقصص هواية أخرى تضاف إلى هوايات كوستوريسا الكثيرة، وأبرزها الموسيقى التي مارسها محترفا. وهو اليوم يمضي أوقاتا طويلة في فرنسا بعد أن حصل على جنسيتها. أما في عام 1985، يوم جاء لتقديم فيلمه «أبي في رحلة عمل» ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان «كان»، فإن اسمه كممثل ومخرج لم يكن معروفا على نطاق واسع. وبعد عرض الفيلم، لم يحضر كثيرون المؤتمر الصحافي المعتاد الذي يعقب العرض. ولملم المخرج الشاب ثيابه القليلة وغادر عائدا إلى بلاده، غير آمل في شيء. ولم يعرف أنه فوّت على نفسه مناسبة قد لا تتكرر مرتين. لقد قررت لجنة التحكيم منح فيلمه السعفة الذهبية. وبحث المصورون عن الفائز فلم يعثروا عليه. كما أخطأ النقاد العرب في تلفظ اسمه وكتبوه «كوستاريكا».
إن الحظ مثل ساعي البريد الذي حمل للطفل كتابه الأول، يطرق الباب مرتين. وبعد عشر سنوات نال كوستوريسا سعفة ذهبية ثانية في مهرجان «كان» عن فيلم «أندرغراوند».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة