يحدث في جدة التاريخية

يحدث في جدة التاريخية

الخميس - 15 جمادى الأولى 1436 هـ - 05 مارس 2015 مـ رقم العدد [13246]
زاهي حواس
د.زاهي حواس وزير الدولة لشئون الاثار المصرية السابق، وشغل سابقاً منصب مدير آثار الجيزة

عزيزي القارئ المهتم بقضايا التراث والحضارة: حاولت كثيرا أن أكتب في موضوع ما حدث لمتحف الموصل في العراق على يد «دواعش» الظلام والجهل؛ ولكنى لم أستطع أن أكتب في هذا الموضوع نظرا لفداحة الخسارة وكآبة المشهد وما يتركه في النفس من إحباط! ولذلك قررت أن أعفي القارئ المسكين من الهم والغم وأن أحاول على النقيض إعطاء الأمل بأن هناك في وطننا العربي من يبني ويرمم ويحافظ على الآثار ويوليها اهتماما يليق بمكانتها. وبالبحث عن نموذج محترم للحفاظ على الآثار لتقديمه للقارئ الكريم للتسرية عنه لم أجد أفضل من الحديث عما يحدث في مدينة جدة التاريخية أو ما يعرف عند أهلها بجدة البلد.
وأبدأ برواية ما حدث معي في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث تلقيت دعوة كريمة من الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، وذلك لزيارة بعض المناطق التراثية بالمملكة، ولم أكن أتوقع ما رأيته في جدة التاريخية التي تحتل وسط مدينة جدة العامرة؛ وأشهر ما بها عمارتها المختلفة مثل أسوارها وبواباتها القديمة؛ وتخطيط حاراتها الضيقة والتي تشبه حارات الجمالية بالقاهرة التاريخية؛ وكذلك منازلها العتيقة وعمارتها الدينية الأثرية وتتمثل في مجموعة من المساجد الأثرية منها مسجد عثمان بن عفان ومسجد الشافعي المعروف بالمسجد العتيق ومسجد المعمار وغيرها من مساجد جدة التاريخية.
كان أول النجاحات هو وضع المدينة القديمة على قائمة التراث الإنساني العالمي في منتصف العام الماضي. وقد سبق ذلك جهد عظيم في إعادة إحياء التراث الأثري للمدينة على يد جهات علمية تعمل بإشراف مباشر من الهيئة العامة للسياحة والآثار والتي استطاعت ضخ أكثر من 50 مليون ريال سعودي في شرايين المدينة القديمة؛ التي بدأت تشرق من جديد كواحدة من أقدم المدن التراثية بالوطن العربي.
ويتمثل التحدي الكبير أمام القائمين على العمل بالمدينة في الترميمات الخاطئة أو لكي نكون أكثر تحديداً، فلنقل الإضافات الخاطئة التي أضيفت على آثار جدة في الماضي بواسطة غير المتخصصين ومن دون دراسات علمية وتتمثل في أعمال الردم واستخدام الإسمنت المسلح؛ وإضافة عناصر معمارية لم تكن موجودة بالأثر.
والمعروف أن إزالة هذه الإضافات عن الآثار شيء مكلف ولكنه ضرورة للحفاظ على طبيعة الأثر الأصلية. ولعل ما حدث في مسجد الشافعي - أقدم مساجد جدة - هو مثال حي للعمل العلمي المدروس؛ حيث استطاع الدكتور صالح لمعي والفريق المرافق له إنقاذ المسجد العتيق وبعثه من جديد. ولا تزال جدة التاريخية في انتظار كثير من مشروعات الترميم العملاقة ولا بد من التنويه عن أهمية اندماج سكان المدينة القديمة في هذه المشروعات؛ وإحياء الأسواق القديمة المنتشرة بالمدينة؛ والتي تعطيها طابعها الخاص؛ وذلك حتى نستطيع أن نبقي الماضي حيًّا ينبض بالحياة ويشعر أهل المدينة أن أثريتها نعمة لهم تدر عليهم الخير الوفير عندما نحافظ عليها. لا بد من توجيه الشكر إلى الرجل الذي جعل المستحيل ممكنا، ليس فقط في جدة التاريخية ولكن في كل آثار المملكة العربية السعودية.. شكرا للأمير سلطان بن سلمان وكل المسؤولين بالهيئة العامة للسياحة والآثار؛ وكذلك المسؤولين بشعبة التراث العمراني بالهيئة السعودية للمهندسين ولا أنسى شكر بلدية جدة الجادة في عملها للحفاظ على تراث المدينة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة