الضوء القاتل

الضوء القاتل

الاثنين - 12 جمادى الأولى 1436 هـ - 02 مارس 2015 مـ رقم العدد [13243]
طارق الشناوي
كاتب مصري

عدد من الفنانين قرروا هذه المرة أن يلعبوها سياسة، لسان حالهم يقول: طالما أن السياسة هي النغمة المطلوبة، فلماذا لا نرقص على الإيقاع: «واللي تكسب به العب به»؟! ليس مهما في هذه الحالة حساب الأرباح أو الخسائر، لأن الهدف الأساسي هو أن يحتلوا مساحات مكثفة عبر «الميديا» تؤكد أنهم لا يزالون في البؤرة. الوجود الإعلامي هو الهدف العميق، وربما الوحيد. وكثيرا ما يقع الإعلام في تلك المصيدة، فيتابعهم بكثافة، ومثلما لا تشبع الفراشة من الضوء، حتى لو كان فيه مقتلها، يضعف الفنانون، خاصة من يقفون على حافة النجومية، أمام أي بريق محتمل من الضوء، فيطيرون إليه وهم معصوبو العينين.
الدستور واضح جدا في هذا الشأن؛ لا يمنع المواطن المصري لو انطبقت عليه المعايير من الترشح، وأغلبهم تنطبق عليهم المواصفات الموضوعية. تذكروا قبل عامين تقدم المطرب الشعبي سعد الصغير، المشهور بأغنية «بحبك يا حمار»، إلى رئاسة الجمهورية. كان طموحه أكبر من مجرد الحصول على العضوية في مجلس النواب؛ مقعد الرئيس «خبط لزق»! وردد الحجة نفسها التي تسمعها الآن: «أهل دائرتي وعدد كبير من المواطنين في مختلف المحافظات ألحوا عليّ في الترشح، وطلبات الجماهير أوامر». كان سعد وقتها منافسا لعمرو موسى، واللواء عمر سليمان، والفريق أحمد شفيق، وحمدين صباحي، صحيح أنه تراجع في اللحظات الأخيرة، ولكن كان الهدف قد تحقق، وهو الحصول على قضمة كبيرة من «تورتة» الاهتمام والمتابعة الفضائية عبر برامج الـ«توك شو».
لا ندخل في النيات بالطبع، ولكن أشعر أن النسبة الأكبر من الفنانين الذين تقدموا هذه المرة للانتخابات النيابية التي تم تأجيلها بسبب أخطاء قانونية ودستورية.. يعتبرونها فرصة لمزيد من الأضواء.
هل لاحظتم أخيرا كم أصبحت الصحافة والفضائيات المصرية والعربية تفرد مساحات مبالغا فيها لمتابعة واجب العزاء، وقبلها تشييع الجنازات للفنانين، وذويهم، والجمهور على الجانب الآخر صار نهما وهو يبحث عن أحزان النجوم الحقيقية بعيدا عن الشاشة.
عدد من النجوم أصبح يحدد حجم تأثره باحتمالات وجود التغطية التلفزيونية والصحافية، ويجهشون بالبكاء أمام الكاميرا وكأنهم يؤدون أدوارا تمثيلية. وأتصور أن هذا هو ما دفع سيدة الشاشة فاتن حمامة بأن توصي بعدم إقامة سرادق لعزائها حتى لا يتحول الأمر إلى برنامج «توك شو».
يظل الفنان يبحث عن تلك البقعة من الضوء، حتى إن بعضهم لو لم يجد ما يثير نهم القراء والمشاهدين يسارع بإطلاق شائعة تعيده مرة أخرى للصفحة الفنية، أعرف مخرجا عاني في مرحلة من عمره من عدم إقبال شركات الإنتاج عليه، فأطلق على نفسه شائعة موته، وحتى تنجح الخطة اختفى تماما عن كل التجمعات التي كان معتادا على الذهاب إليها، وعندما نشرت الجرائد خبر موته ظهر مجددا ومتوعدا في الوقت نفسه مَن أذاع الخبر الكاذب.
أسوأ ما يواجه الفنان ليس كما يعتقد البعض أن يُكتب عنه مثلا أنه قدم عملا فنيا رديئا، ولكن أن تتجاهله تماما وكأنه لم يفعل أو يقدم شيئا. هذا هو أقصى عقاب.
هل الفنان يعشق الضوء أم الإبداع؟ أغلب نجومنا يحركهم الوهج والصخب الإعلامي، بينما من الممكن أن تجد عددا محدودا منهم يخاصم الكاميرا ويهرب، ومع سبق الإصرار، من أجهزة الإعلام.
أدرك الفنانون أن الانتخابات حاليا هي الورقة المضمونة في مصر للضوء فراحوا يلهثون وراءها وحتى إشعار آخر!!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة