متى يعود علي؟!

متى يعود علي؟!

الثلاثاء - 6 جمادى الأولى 1436 هـ - 24 فبراير 2015 مـ رقم العدد [13237]
سلمان الدوسري
اعلامي سعودي، رئيس التحرير السابق لصحيفة «الشرق الأوسط»

في مثل هذا اليوم من كل أسبوع، يكتب هنا في الزاوية نفسها زميلنا العزيز، الأستاذ علي إبراهيم نائب رئيس التحرير، مقاله الأسبوعي المعتاد، بيد أنه ومنذ أسبوعين غاب عن قرائه وعن أسرته الصغيرة، وكذلك عن أسرته الكبيرة في صحيفة «الشرق الأوسط».
حضر معنا اجتماع الصفحة الأولى يوم السبت قبل الماضي ثم عاد لمكتبه، لم تفارقه ابتسامته وروحه الطيبة التي تسبقه. فجأة أصابته أزمة قلبية خانقة وهو على رأس العمل. لم تصبه الأزمة وحده، بل أصابت قلوب كل زملائه. نُقل سريعا للمستشفى وألسنة الجميع تلهج بالدعاء، وخلال ساعات قرر الفريق الطبي إجراء عملية كبيرة في قلب الرجل الطيب.
العملية كانت معقدة وخطيرة واستغرقت ما يقارب العشر ساعات. 10 أيام مرت على العملية الجراحية استقرت خلالها حالته الصحية والحمد لله، بيد أنه في العناية المركزة بانتظار المزيد من دعواتنا ولطف الله به. ومنذ ذلك الحين لا يزال السؤال يتكرر من زملائي ومن محبيه يوميا: متى يعود علي؟!
هذه المهنة تختطف منا أشياء جميلة نفتقدها بمرور الوقت. لا نتذكر علاقاتنا الإنسانية مع أقرب الناس بسبب طبيعة ضغط العمل اليومي وتوابعه ومشكلاته، كما في حالة الزميل علي إبراهيم الذي التحق بـ«الشرق الأوسط» مطلع التسعينات، ومارس منذ ذلك الوقت العمل الصحافي بجميع مسؤولياته، وأصبح يرى في «الشرق الأوسط» حياته وبيته الكبير، لا يستغني عنها مهما عظمت المغريات.
علي الإنسان، لديه قدرة عجيبة على جمع التناقضات. يحضر إلى مبنى الصحيفة أولا ويغادر أخيرا. يأتيه زملاؤه غاضبين ويخرجون وقد أزال عنهم الغضب بطريقته المحبّبة. يعاتبهم على أخطائهم، ثم سريعا يحمل نفسه تلك الأخطاء. يقسو عليهم، ولا يلبث أن يأتي مدافعا عنهم بشراسة. لم أذكر أن أحدا من زملائه اشتكى منه أو اختلف معه. لديه نظرية يجادلني بها ويدافع عنها دائما، يقول: قليلا من المشاعر مع الزملاء سيكون لها المفعول السحري يوما ما. أعترف كان محقا ولن أجادله مجددا، لكن متى يعود علي؟!
ربما أن قارئنا العزيز تعود على أن طبيعة المقالات في هذه الصفحات سياسية لا تعرف لها العاطفة مكانا، لكننا اليوم، وأكتب بلسان زملائي في «الشرق الأوسط»، نتذكر مكانة ذلك الرجل الذي منذ وطئت قدماه صحيفة العرب الدولية وهو يحضر بهدوء، ويعمل بصمت، وينجز بلا ضجيج، فلما غاب، مؤقتا، كانت مساحة غيابه لا ينازعه فيها أحد. جميعنا نغيب حينا ونحضر حينا آخر، إلا شخص واحد فقط لم تعتد صحيفته له غيابا قسريا.
في عالمنا العربي اعتدنا إظهار مشاعرنا لمن حولنا بعد أن نفتقدهم، ونكرمهم إذا رحلوا. لم نتعلم أن نقول ما تكنّه صدورنا وتحبسه قلوبنا لمن يستحقونه فعلا. أما وزميلنا العزيز يمر بأزمة صحية، فنحن في غاية الشوق لعودته لمنزله سالما معافى، نقولها بعد أن عجزنا، زملائي وأنا، عن إيجاد أفضل من هذه الكلمات البسيطة للتعبير عن تضامنا مع الغائب الحاضر. ننتظره كل يوم وندعو له، وهو ينتظر منكم الدعاء أيضا، عسى الله أن يشفيه مما ألمّ به.
من يدري قد يصحو قريبا ويعود لهوايته بقراءة الصحف، وبالتأكيد معشوقته ستكون الأولى، ويعلم ما أخفيناه عنه طويلا.
كلنا نترقب عودته لبيته وأسرته، فمتى يعود علي؟!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة