حشف الاختلاف وسوء كيلة الإعلام

حشف الاختلاف وسوء كيلة الإعلام

الثلاثاء - 6 جمادى الأولى 1436 هـ - 24 فبراير 2015 مـ رقم العدد [13237]

بالنظر للوقائع، يمكن فهم ما يجري بين دول الخليج ومصر. السعودية، حاضنة دول الخليج، تنظر إلى جماعة الإخوان المسلمين بأنها إرهابية، الإمارات تنظر لها بالمنظار نفسه، وهي نقطة التقاء سياسية وأمنية مع مصر. الكويت لا تستطيع أن تتخذ الموقف نفسه كون الإخوان جزءا لا يتجزأ من العملية السياسية فيها، أما قطر فلا يمثل الإخوان لديها أي أهمية داخلية، اجتماعية أو فكرية، ولكن كسياسة خارجية قررت الدوحة دعم الجماعة ماديا وإعلاميا؛ استضافت رموزها وأوكلت مهمة إدارة أهم أدواتها السياسية وهي قناة «الجزيرة» الإخبارية لفريق من الإخوان المسلمين. رغم هذا الاختلاف بين دول الخليج فإن قادة مجلس التعاون الخليجي يبذلون قصارى جهدهم للتعايش معه بالقفز على هذا البون الشاسع بينهم في قضية من أهم القضايا الخلافية التي ثارت بعد سقوط نظام مبارك، وأعادت تشكيل الحلفاء والأضداد.
في ظروف الاختلاف، التلاعب بالتصريحات والتسريبات الإعلامية مثل العبث بفتح أنبوبة اختبار تحوي فيروسا قاتلا، أمر قد لا تحمد عقباه ولا يمكن التكهن بنتائجه، كما قد يكون من يمسك بالأنبوبة أقرب الناس للخطر وأكثرهم تضررا.
من التسريبات التي قيل إنها خرجت من مكتب الرئيس عبد الفتاح السيسي إبان عمله وزيرا للدفاع وكانت ضد دول الخليج، وحتى التناقض في تصريحي أمانة مجلس التعاون الخليجي حول الموقف من مصر، كلها تشير إلى أن الإعلام له وجه شرير، وأنه وقود لنار القطيعة والفتنة. مع ذلك، فالشر الآتي من نشر معلومات مغلوطة أو استخدامها في مآرب خاصة معروف منذ التاريخ، منذ تسببت قصيدة في قتل شاعر ظلما، أو وشاية بوزير، أو تلميع صورة ديكتاتور. ما يحصل ليس جديدا، لكن اللافت أن مؤسسة معروفة بثبات مواقفها ورزانة تصريحاتها كأمانة مجلس التعاون تصدر بيانا تصحيحيا بعد يوم من تصريح ثبت عدم صلاحيته. لماذا يحتاج المجلس إلى هذا الوقت للتعديل وضبط الأمور، كان الأجدر سرعة التعامل مع الموقف قبل أن يكون فيلم سهرة مثيرا للتسلية لرواد موقع التواصل الاجتماعي «تويتر». رد الفعل الصحيح والوحيد أمام الخبر المضلل هو سرعة نفيه أو تقويمه.
البيان الخليجي الثاني كان على درجة عالية من العقلانية، تأييد مطلق للجهود المصرية في مكافحة الإرهاب، وإقرار حقها بضرب «الدواعش» الجزارين في ليبيا. بيان وافقت عليه حتى قطر التي أبدت تحفظها من التدخل المصري في ليبيا، لأنها لا تملك خيار شق الصف الخليجي رسميا. وللتذكر، فمجلس التعاون هو أول جهة دولية تطلب التدخل الدولي في ليبيا خلال الثورة الليبية على معمر القذافي.
العلاقة السعودية المصرية هي في الواقع الأهم على مستوى المنطقة، لأسباب كثيرة أستند فيها إلى التاريخ الحديث. اهتزت العلاقة بين السعودية ومصر خلال هذه الفترة مرتين، الأولى في عهد الراحل جمال عبد الناصر. كانت السعودية تقريبا الدولة العربية الوحيدة التي لم تستسلم لفكر عبد الناصر القومي الاشتراكي، وكانت تتحفظ على تدخلاته في البلدان العربية لفرض آيديولوجيته بالقوة، في الكويت واليمن والجزائر وسوريا وليبيا، بل حتى في البلدان الأفريقية، وقصة تدخل عبد الناصر في «الكونغو» ودعمها للرئيس لومومبا معروفة. كتب في ذلك الكاتب المصري أنيس منصور رحمه الله مقالا في هذه الصحيفة، وذكر كيف أن طائرات أميركية أقلته مع زملائه الصحافيين للقاء لومومبا، وتوزيع صور جمال عبد الناصر، لكنهم لم يجدوا أحدا يوزعون عليه الصور، وحينما التقوا الرئيس الكونغولي وقف على أحد المقاعد وخطب بلغة لم يفهموها لأنه كان مخمورا.
باختصار، وصلت العلاقة السعودية المصرية إلى القاع في عهد عبد الناصر، خاصة بعد تدخل القوات المصرية في اليمن، وضرب طائراتها لمدن سعودية، مع ذلك حينما حصلت نكسة 67. وعقدت قمة الخرطوم بعدها بشهرين، كان الملك فيصل بن عبد العزيز أكثر الداعمين لمصر، ماليا وسياسيا، ومن يدري، لربما لو كانت العلاقة السعودية المصرية جيدة في ذلك الوقت، لما حصلت النكسة التي خسر فيها العرب أراضي شاسعة في الضفة الغربية منها القدس، إضافة إلى هضبة الجولان وسيناء وعشرات الآلاف من القتلى، والأهم، هي الهزيمة المعنوية التي لم يستفق منها الشارع العربي حتى اليوم.
الفترة الأخرى التي اهتزت فيها هذه العلاقة كان بعد تولي المعزول محمد مرسي الحكم في مصر في 2012. اضطرت السعودية إلى سحب سفيرها وإغلاق السفارة بعد مظاهرات أساءت للمملكة، رغم أن السعودية بادرت بتقديم دعم مالي كبير للإدارة الجديدة كإشارة لعدم انحيازها لجناح سياسي معين، عالج المصريون غضب الرياض وجاء وفد رفيع المستوى إلى الراحل الملك عبد الله رحمه الله للاعتذار وإعادة المياه إلى مجاريها. وكان الملك سلمان، الذي كان وليا للعهد حينها، أول من استقبل مرسي في أول زيارة له خارج مصر بعد توليه الرئاسة، وكان له تصريح قوي بأنه يجب إعطاء الرئيس محمد مرسي فرصة كاملة في الحكم، وأن لمصر مكانة استراتيجية وخاصة لدى السعودية أيا كان الحاكم الشرعي لها، وأضاف أنه شخصيًا تطوع في الجيش المصري عام 1956. وذكر أن والده الملك عبد العزيز لم يخرج خارج بلاده إلا لزيارة مصر، ولم يزر أي بلد غيرها في العالم، وهو ما يعكس مكانة مصر، سواء لدى الأسرة الحاكمة أو لدى المملكة ككل.
الذين يتصيدون لإفساد العلاقة بين السعودية ومصر يعمدون إلى إحراج السعودية، لكنهم يستهدفون الرئاسة المصرية وتحديدا شخص الرئيس الذي اختاره الجمهور المصري ليغيثهم من تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية في عهد المعزول. وبالرغم ما قيل بأن ما يربط الرياض بالقاهرة هي علاقة مصالح وليست علاقة مع شخص الرئيس، إلا أنني أعتقد أن هذا القناعة ناقصة. لا أعرف ما معنى المصالح المقصودة هنا، أفهمها لو قيلت في العلاقة مع الولايات المتحدة مثلا. إنما بين السعودية ومصر لا تكفي كلمة مصالح. العلاقة بين السعودية ومصر علاقة «تكاملية»، لا أحد من الطرفين في غنى عن الآخر، ويكفي أن فترات تردي العلاقة بين البلدين انعكست على المنطقة العربية وكانت أسوأ وأضعف المراحل التي مر بها العرب. مصر هي ظهر العرب، لذلك تحرص السعودية على أن يظل صامدا صلبا مهما كانت الظروف، هذا ليس خيارا، بل إنه التزام، وسياسة سعودية ثابتة لم ولن تتغير.


[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة