حسابات السياسة ومشاعر الناس!

حسابات السياسة ومشاعر الناس!

الاثنين - 5 جمادى الأولى 1436 هـ - 23 فبراير 2015 مـ رقم العدد [13236]
طارق الشناوي
كاتب مصري

رغم كل محاولات تصدير الإحساس للرأي العام بأن جائزة المخرج الإيراني جعفر بناهي، «الدب الذهبي»، عن فيلمه «تاكسي» في مهرجان برلين، تحمل من الأسباب السياسية ما يجعلها تخرج المهرجان العريق من طبيعته كتظاهرة ثقافية، ليصبح ساحة لتصفية الحسابات المرحلية وإعلان المواقف السياسية، فإنني أقول لكم بضمير مستريح إن الجائزة عبرت عن قيمة إبداعية بالدرجة الأولى، وهي لم تمنح للمخرج الإيراني لأنه معارض لنظام بلاده بقدر ما ذهبت لمن يستحقها، والدليل أن «الفيبرسكي» وهو اتحاد يضم النقاد السينمائيين في العالم كان يشارك بلجنة تحكيم في المهرجان، ومنح فيلم «تاكسي» الجائزة أيضا، فهل من الممكن أن يتفق الجميع على أن تصبح الرؤية السياسية هي «الترمومتر» الذي يحدد من خلاله درجة الإجادة؟
مقتل الفنون في تقييمها السياسي والفكري، قبل تحليلها الجمالي. لا أنكر أن البعض يحاول أن يمسك بموقف سياسي يحيله إلى غطاء لرأي يتبناه. وإليكم مثلا ما يجري سياسيا بين الدوحة والقاهرة، وهو ما ينبغي ألا تكون له ظلال سلبية ثقافية أو فنية. قبل نحو شهر شارك كل من محمد منير وأنغام في المهرجان الغنائي الشهير «سوق واقف» في الدوحة، وهو موقف صائب تماما، صحيح أن العلاقات بين البلدين شهدت وقتها، بعد تدخل خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، قدرا من الهدوء النسبي، كان المقصود هو وصول الرسالة للجميع بأن صوت الفن يعلو على السياسة، مع الأسف في عالمنا العربي يسيطر أحيانا صوت السياسة على كل الأصوات والاعتبارات، تابعنا بعدها أصواتا تطالب بالمقاطعة الثقافية والفنية، كلما أطل على المشهد أي توتر سياسي، وكم شاهدنا في الأشهر الأخيرة من يرفع شعار مقاطعة المسلسلات التركية لمجرد خلاف في الرأي.
التجربة العملية أثبتت أنه في عصر الفضاء لا يمكن أن تنجح أبدا خطة الإقصاء، حيث إن القنوات المصرية الحكومية والخاصة التزمت بالمنع، ولكن أغلب القنوات العربية لم تشاطرها الرأي، فتوجه المشاهد الذي يعشق الدراما التركية إلى القنوات العربية، فسقطت تماما من بعدها خطة المقاطعة. الحقيقة، ليست فقط الأنشطة الفنية هي التي تدفع الثمن.
البعض يفتح البرجل على آخره ويسأل هل يجوز أن يشارك مثلا فريق كرة قدم في مسابقة داخل بلد يشهد توترا أو برودة في العلاقات؟ إجابتي هي نعم، يجب أن يظل كل هذا بعيدا عن تلك الحسبة الضيقة، على العكس عندما نلمح بداية أزمة يصبح للفن والرياضة دورهما الرئيسي في إزالة الاحتقان.
لا شك أن عددا من الفنانين لا يمتلكون تلك الرؤية. أتذكر مثلا المطربة شيرين، في أعقاب ثورة 30 يونيو (حزيران) قالت: أحب الشعب القطري، ولكنى لن أغني في الدوحة لأن قناة «الجزيرة» تهاجم مصر. ما هي علاقة قناة فضائية بمهرجان غنائي؟ مهما كان لنا عليها من ملاحظات مهنية، الخلافات السياسية من هذا النوع ليست أبدا خلافات استراتيجية؛ مثلا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان كان هدفا للإعجاب في الشارعين المصري والعربي قبل 4 سنوات، لمواقفه المتشددة من إسرائيل. وبدأت النكتة تتسرب من مصر، مشيرة إلى أن أغنية هيفاء وهبي «رجب حوش صاحبك عني» مقصود بها رجب طيب إردوغان، ويومها كتب الساخر الراحل أحمد رجب معترضا على التحليل، ومؤكدا أنه هو رجب الذي قصدته هيفاء، وليس أي رجب آخر.
السياسة لا تبقى على حال، بينما مشاعر الناس راسخة. اتركوا الثقافة والفن بعيدا عن حساباتكم السياسية «الزئبقية»!!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة