عصر المعلومات

عصر المعلومات

الجمعة - 2 جمادى الأولى 1436 هـ - 20 فبراير 2015 مـ رقم العدد [13233]
محمد رُضــا
صحافي متخصص في السينما

هل تريد فعلا أن تعرف أي شيء عن الفيلم قبل مشاهدته؟ هل يهمك أن تعرف كل شيء عن المسرحية المعروضة أو عن الكتاب المنشور أو عن أي نشاط ثقافي صغيرا كان أم كبيرا؟ هل يهمك مثلا أن تقرأ كم كلّف العمل؟ أو كيف تم صنعه وما حدث خلال التحضير أو التصوير؟ أو كيف رفضه هذا الممثل وقبله ذاك؟ أو هل تريد أن تعرف قصّة الفيلم أو المسلسل أو المسرحية قبل أن تدخله.. أو أن تعرف رأي الناقد فيه؟
شخصيا ما زلت من الذين يؤمّون الفيلم من دون أن أقرأ عنه أي شيء. أحيانا كثيرة في المهرجانات أدخل فقط لأن الفيلم معروض في وقت مناسب. حتى اسم المخرج لا يعنيني فيه إذا ما كان معروفا أم لا. عربيا أم أعجميا. من أي دولة جاء الفيلم ومن موّله. لا يهم. أما نوعه فلا أهتم له. قد يكون فيلما لأحد كبار صانعي الأفلام أو لمجهول. قد أعلم أنه فيلم للفن أو فيلم للترفيه. قد أدرك أن هذا الفيلم لن يقدّم أو يؤخر كثيرا في مسيرة أحد.. لكنه فيلم، وإذا ما كان عندي الوقت فإنني سأراه من دون أي اعتبار غير رغبتي تلك.
طبعا هناك المرّات التي تهب فيها رياح الفيلم المسبقة: «سلما» عن العنصرية. «القاضي» عن ابن محام وأبيه القاضي المتهم. «بيردمان» من بطولة مايكل كيتون.. أكتفي بأقل قدر من المعلومات عنه وحرصي الوحيد هو أن أعرف كم دقيقة يبلغ طول الفيلم وذلك لكي أعرف كيف يتصرّف المخرج حيال الوقت. هل الدراما مسكوبة في الفترة الزمنية على نحو صحيح؟ تصوّر لو أن مدة الفيلم ساعة ونصف الساعة، والمخرج لم يدخل الموضوع الذي يريد طرحه إلا بعد ساعة مثلا.
لكن في عصرنا اليوم يمطرونك بالمعلومات. يقذفونك بها. نعم تستطيع أن تستغني لكنهم يراهنون على أنك تريد أن تعرف فيطلقون أمامك المعلومات التي تؤثر في مشاهدتك للفيلم في ما بعد. يكفي أنك قد تستغني، وهذا يحدث كثيرا، عن مشاهدة الفيلم.
بعض النقاد يشترك في ذلك. هناك زميل يمضي طويلا في شرح القصّة. وعدد آخر يصف لك النهاية. هذا يؤثر بدوره حتى ولو شاهدت الفيلم. ستجلس متوقعا أن الزوجة لم تمت بل هي خططت لكل شيء لكي تنتقم من زوجها («فتاة مختفية»)، أو أن الرسام في «مستر تيرنر» تزوّج في سن متأخرة، أو كيف نجا مارك وولبرغ من مطاردة الأفغان في «ناج وحيد».. إلخ.
على أن مجرد قراءتك للنقد قبل أن تشاهد الفيلم خيانة لحبّك للسينما (إذا كنت تحبها). النقد معمول لأولئك الذين شاهدوا الفيلم أولا.. أو هكذا كان عليه أن يكون.
بالأمس كان كل شيء يبدأ بالفيلم المعروض. لذلك كان مقدار الدهشة عاليا في معظم الأحيان. السينما بنيت على الدهشة. على أن تفاجئك بما لم تتوقعه أو بأكثر مما توقعته. لا ينفع أن تدخل الفيلم وقد عرفت كل شيء عنه. لماذا؟
حين كنت صغيرا كنت أدخل وعندي أقل قدر ممكن من المعلومات. اليوم ما زلت أدخل وعندي - عن قصد - أقل قدر ممكن من المعلومات. لهذا السبب ما زال حبي شابا كما يجب أن يكون.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة