انقرض الحكماء!

انقرض الحكماء!

الجمعة - 2 جمادى الأولى 1436 هـ - 20 فبراير 2015 مـ رقم العدد [13233]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

فرغت للتو من قراءة مقال لروجر كوهين، وهو كاتب رأي أميركي معروف في صحيفة «نيويورك تايمز» ذائعة الصيت، والمقال كان معنونا بطريقة «قطعية الدلالة» تنقل الصورة والمعنى الذي يرغب الكاتب في إيصاله للقارئ. والعنوان كان بسيطا ولكنه مهم: «الإسلام والغرب في حرب».
هذه النوعية من المقالات والآراء ليست بطبيعة الحال جديدة أبدا، ولذلك يجب عدم التعامل معها بشكل مفاجئ، ولكنها تتزايد. فعبر التاريخ كتب الكثير من المستشرقين والمؤرخين آراء تماثل ما ذكره روجر كوهين، وحتى في الزمن المعاصر هناك أرتال من هذه الآراء اللافتة جاءت على لسان شخصيات مؤثرة، مثل الأكاديمي البريطاني ذائع الصيت والمثير للجدل بيرنارد لويس، وكذلك صاموئيل هاننغتون الأكاديمي المتخصص في التاريخ السياسي، وغيرهما بطبيعة الحال.
مقال روجر كوهين مليء بالمغالطات التاريخية وفيه كم مهول من المبالغات والإحصاء غير الموثق أو المدقق، مثله مثل غيره من الذين انزلقوا في مستنقع فكرة صراع الأديان وصراع الحضارات وصراع الثقافات، والتي تغذي فكرة سياسية لديهم وتجعل حجة تصنيف «الآخر» لديهم مسألة ذات جهد أقل وأسهل في ترويجها وإقناع الغير بها.
هناك مشكلة «عويصة» تواجه المسلمين اليوم (ومنذ زمن ليس بالقليل حتى نكون دقيقين جدا)، وهي أهمية أن يواجهوا التطرف والتشدد والتنطع الذي غزا تراثهم وخطف التسامح من دينهم، فاليوم كل هذه التنظيمات الإرهابية مثل «القاعدة»، و«النصرة» و«حزب الله»، و«داعش»، و«أبو الفضل العباس»، يبنون ويستندون في كل أفعالهم «الشنيعة» و«الدموية» إلى آراء وفتاوى وتشريعات قالها «علماء» تم تداول أقوالهم من جيل إلى جيل دون التنبه لخطورتها على الأجيال القادمة، والنتيجة هي المآسي التي نحياها اليوم ونشهد ونعايش تداعياتها ونتائجها بشكل متواصل ويومي.
الموضوع لا علاقة له بـ«منظرنا وسمعتنا» أمام الآخرين، فليس هذا هو المهم، ولكن الأهم هو ضرورة تنقية وتطهير وتخليص التراث الإسلامي من السموم التي فيه، والتي «سرطنت» سوية وروح الدين وتسامحه.
في نفس السياق، ليس المسلمون وحدهم بحاجة لمراجعة ووقفة جادة مع النفس لأنهم بحاجة لأن يواجهوا أنفسهم ويستعدوا للإجابة عن أسئلة صادمة. فهناك حالة من الذهول في كيفية تخلي الغرب عن ثورة السوريين ضد طاغية ابن نظام مجرم قمعي جاء للحكم بتوريث مضحك وهزلي لم يعرف مثله إلا في كوريا الشمالية.. نظام مجرم استعان بمرتزقة من حول العالم للقتال معه ضد شعبه الذي استخدم ضده أشنع أنواع الأسلحة وأسوأها، ومع ذلك لم يتم «الخلاص» منه. حتى سياسات الإغاثة «سُيِّسَت» وتم وضع الملايين من اللاجئين السوريين في خانة غريبة.. خانة تصفهم بأنهم «معارضون سياسيون»، وبالتالي يجب توقيف حملات الإغاثة بحقهم. طفلة عمرها اثنا عشر عاما مصابة بالسرطان وفي حالة متأخرة جدا كان هذا الرد الذي وصل إليها في الأردن.
أين حقوق الإنسان؟ أين حقوق الطفل؟ أين الدعم الاجتماعي الإنساني؟ أين الدفاع عن الديمقراطية وحريات الكلمة والتعبير والرأي؟ كيف للغرب ولأميركا أن يقبل أطرافا متطرفة جدا مثل إيران، والإخوان المسلمين، وإسرائيل، وهي كلها مجاميع متطرفة تقصي الآخر ولا تعترف به ككيان كامل الأهلية؟ كيف تقبل أن يحكموا وتتعامل معهم على أساس أنهم خيار «ديمقراطي»؟ هذه النوعية من الأسئلة الصادمة التي من المطلوب أن تكون هناك إجابات جادة ومهمة جدا من الغرب عنها؛ لأن غيرهم يتساءل أيضا، وله الحق في هذا التساؤل.
العالم يلتهب ويستنجد بالحكماء الذين انقرضوا مع الديناصورات.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة