أحلام الانفصاليين في زمن «العالم القرية»

أحلام الانفصاليين في زمن «العالم القرية»

الأحد - 9 رجب 1442 هـ - 21 فبراير 2021 مـ رقم العدد [15426]

التكهن بتطورات حدث سياسي، في بلد أو بلدان معيّنة، وانعكاساته المختلفة، ليس سهلاً خصوصاً حينما يكون الحدث متعلقاً بحركة انفصالية، تسعى منذ عقود إلى الاستقلال، باستخدام كل الوسائل ومن بينها اللجوء إلى العنف. وما حدث، في الانتخابات المحلية في إقليم كاتالونيا بإسبانيا، يوم الأحد الماضي، وتمكن الانفصاليين من تحقيق فوز انتخابي غير مسبوق، يعدّ تطوراً لافتاً.
وأعتقد أن الحدث الانتخابي دليل آخر، يضاف إلى ما سبق من أدلة، جاء ليؤكد أن الانفصاليين، سواء أكانوا في كاتالونيا بإسبانيا، أم نظراءهم في اسكوتلندا ببريطانيا رغم اختلافهما، مقدمون على مرحلة جديدة في نضالهم الاستقلالي، ربما تقترب بهم من تحقيق الهدف المنشود، وبوسائل ديمقراطية. الحركتان الاستقلاليتان في برشلونة وأدنبره، رغم التقائهما في هدف الانفصال وتحقيق الاستقلال، فإنهما مختلفتان. الحركة الانفصالية الكاتالونية، أكثر تطرفاً في وسائلها، وأقرب ما تكون إلى حركة التحرير الآيرلندية، التي قادت إلى تحرير آيرلندا من بريطانيا.
وبالتأكيد، فإن الانتخابات المحلية، في إقليم كاتالونيا - إسبانيا، لم تمر من دون رصد مكثف، في لندن وأدنبره. وإذا كانت النتيجة النهائية، قد سببت، من دون شك، إحباطاً وتوجساً في أروقة الحكومة في لندن، وفي غيرها من المؤسسات الحزبية، والمناطق البريطانية الداعمة للاتحاد، فإنها يقيناً كانت مبعث سرور وبشارة تفاؤل في دوائر الانفصاليين في اسكوتلندا، ممثلين بحزب اسكوتلندا القومي، علماً بأن أشهراً قليلة تفصلهم عن الانتخابات المحلية المقبلة في شهر مايو (أيار) 2021، وأن استبيانات الرأي العام، إن صدقتْ، تشير إلى احتمال فوزهم بالأغلبية في البرلمان الاسكوتلندي. الأمر الذي يعني وضع الحكومة البريطانية أمام امتحان استفتاء ثانٍ.
واستناداً إلى ما توفر من تقارير إعلامية، فإن المعركة الانتخابية الأخيرة دارت بين تسعة أحزاب، من اليمين واليسار، ثلاثة منها أحزاب انفصالية. النتائج النهائية المعتمدة أكدت حصول الانفصاليين على أغلبية المقاعد البرلمانية البالغ عددها 135 مقعداً، بحصولها مجتمعة على عدد 74 مقعداً، وبنسبة أصوات تصل إلى 51 في المائة، وهي المرّة الأولى التي يتجاوز فيها الانفصاليون حاجز 50 في المائة من الأصوات، من مجموع 1.3 مليون ناخب أدلوا بأصواتهم. في عام 2017، ورغم لا قانونية استفتاء الانفصال الأحادي، وصل عدد الناخبين إلى أكثر من مليونين. القادة الانفصاليون الذين تجرأوا على تنفيذ مبادرة الاستفتاء الأحادية، أغلبهم تعرضوا لطائلة القانون، وأودعوا السجون، وأقلية منهم تمكنوا من الفرار إلى خارج إسبانيا. نتيجة الانتخابات الأخيرة تضمن للأحزاب الانفصالية الثلاثة تشكيل وقيادة الحكومة المحلية.
ما يميّز المطالبين باستقلال اسكوتلندا من الاتحاد البريطاني عن نظرائهم الانفصاليين في إقليم كاتالونيا هو أن الاسكوتلنديين أقرب، نظرياً، إلى تحقيق هدف الاستقلال لتوحدهم تحت راية واحدة: حزب اسكوتلندا القومي. المطالبون باستقلال كاتالونيا، رغم التقائهم حول هدف الانفصال، منقسمون. أكثرها شعبية «الحزب اليساري الجمهوري لكاتالونيا» المعروف اختصاراً باسم «ERC» وعضو رئيسي في الائتلاف الحاكم بمدريد، تحت رئاسة الحزب الاشتراكي وزعيمه بدرو سانشيز هذا أولاً. أما ثانياً، فإن قيادة الحزب الحالية ترفض فكرة الانفصال أحادياً، وتتبنى مبدأ التفاوض مع حكومة مدريد، على غرار ما حدث بين حكومة لندن وحكومة أدنبره المحلية، قبل الشروع في عقد استفتاء الاستقلال عام 2014. هذا التوجه التفاوضي يقابل في الوقت نفسه بالرفض من جانب حزب انفصالي آخر هو «حزب كلنا لكاتالونيا». أضف إلى ذلك وجود عقبة دستورية تنصّ على عدم تقسيم إسبانيا. لكن ذلك، رغم أهميته، ليس سبباً كافياً لإقناع الانفصاليين بعدم مواصلة نضالهم السياسي من أجل تحقيق هدف، أضحوا يرونه يزداد اقتراباً عاماً بعد آخر.
الحزب الاشتراكي الحاكم أحرز، هو الآخر، نجاحاً انتخابياً مرموقاً بحصوله على 33 مقعداً، بزيادة 16 مقعداً، وبنسبة أصوات 23 في المائة، وتمثل أعلى نسبة أصوات تحصّل عليها منذ انتخابات عام 2006. ازدياد نسبة الناخبين للحزب، وفقاً للتقارير، يرجع إلى ما تبنّاه الحزب من سياسات لاقت قبولاً لدى الناخبين المؤيدين لبقاء كاتالونيا ضمن الاتحاد الإسباني، ومن أهمها الموافقة على إجراء مفاوضات مع الانفصاليين، وعقد صفقات معهم بغرض الحصول على موافقتهم لتمرير قوانين في البرلمان. لكن حظوظ الحزب في تشكيل حكومة كاتالونية ضئيلة، لرفض أغلبية الأحزاب الانفصالية الدخول في ائتلاف معه. ورغم أن حزب كاتالونيا الجمهوري اليساري عضو في الائتلاف الحالم بمدريد، فإنه قبل الانتخابات أعلن أنه لن يقبل فكرة الدخول في ائتلاف حاكم بكاتالونيا مع الاشتراكيين لرفضهم فكرة إجراء استفتاء.
الحزب اليميني المعادي للهجرة وللانفصال المعروف باسم «VOX» حقق هو الآخر نجاحاً انتخابياً غير متوقع، بحصوله على المرتبة الرابعة. وتمكن من الحصول على عدد 11 مقعداً، ونسبة 8 في المائة من أصوات الناخبين. وبهذا الفوز استحق ديمقراطياً الدخول إلى البرلمان الكاتالوني لأول مرّة. نجاح الحزب اليميني جاء على حساب أحزاب يمين الوسط المحافظة ممثلة في «حزب المواطنين» و«حزب الشعب». الأول تقلص عدد نوابه من 36 نائباً إلى 6 نواب فقط.
هذا يحدث والعالم برمته يتقلص في قرية واحدة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة