بايدن والأزمة اليمنية... مخاطر الرؤية الضبابية

بايدن والأزمة اليمنية... مخاطر الرؤية الضبابية

الثلاثاء - 26 جمادى الآخرة 1442 هـ - 09 فبراير 2021 مـ رقم العدد [15414]

كلمة الرئيس بايدن في وزارة الخارجية الأميركية يوم الخميس الماضي، تلقي الضوء على نهج إدارته في السنوات الأربع المقبلة، وعناصره الرئيسية ثلاثة، هي الدبلوماسية، وإحياء التحالفات والشراكات الدولية، وقوة النموذج الأميركي كقاطرة للدور القيادي عالمياً، مع ربط هذه الآليات بتحقيق المصالح الأميركية والتي بعضها قد يحقق مصالح دولية عامة وفقاً للرئيس بايدن. أما القضايا التي نالت بعض التفصيل، فهي إعادة تقييم الانتشار العسكري الأميركي في العالم، والعمل الجماعي الدولي لمواجهة «كوفيد – 19»، والتغير المناخي، ودعم الديمقراطية مع إشارة مفصلة نسبياً لروسيا بوتين والموقف من المعارض نافالني، والعمل مع الصين بما يحقق المصالح الأميركية، ودعم اللاجئين والنازحين عبر العالم.
أما أزمات منطقتنا العربية والشرق أوسطية، فقد أشار بايدن بصورة مركزة إلى أهمية العمل الدبلوماسي في الأزمة اليمنية، وقراره تعيين الدبلوماسي تيموثي ليندركينغ مبعوثاً أميركياً للأزمة اليمنية، والاستمرار في التعاون مع السعودية لحماية أراضيها ولمواجهة التهديدات التي تتعرض لها من الجوار الجغرافي.
ولم تتضمن الكلمة أي إشارة إلى قضايا حيوية أخرى ومهمة بالنسبة للاستقرار الإقليمي ككل، كالنزاع العربي - الإسرائيلي، والأزمة في سوريا، والعملية السياسية في ليبيا، والجموح التركي في أكثر من اتجاه، ومفاوضات سد النهضة المتعثرة والتعنت الإثيوبي بشأن المفاوضات مع مصر والسودان. كما لم يأتِ ذكر إيران وبرنامجها النووي ولو بكلمة واحدة.
التذكير بما لم يذكره الرئيس بايدن بشأن مدى اهتمام إدارته بقضايا وأزمات الشرق الأوسط له جانبان؛ الأول أن كل هذه القضايا لم يصل الرئيس بايدن وإدارته إلى تصور متكامل بشأن كل منها، وما زالت في مرحلة الأفكار العمومية التي تتطلب بدورها التعمق في تفاصيل مختلفة قبل تحديد الخطوات العملية، والآخر أن الرئيس بايدن تعمد عدم الإشارة إلى تلك القضايا؛ لأنها لا تمثل تهديداً جدياً للمصالح الأميركية، وبالتالي فسيتم التعامل معها وفقاً لمدى تأثيرها على تلك المصالح حسب الظروف. وبناءً عليه يطرح التساؤل نفسه، هل لدى إدارة بايدن تصور متكامل بشأن الأزمة في اليمن؟ وفي السياق ذاته، هل يتضمن هذا المصطلح الهجمات الصاروخية على الأراضي اليمنية الخاضعة لولاية الحكومة الشرعية، سواء في المحافظات الجنوبية أو الشمالية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها هي التي ستوضح مدى قدرة إدارة الرئيس بايدن على تحقيق اختراق مهم ورئيسي في الأزمة اليمنية.
التركيز على الاعتبارات الإنسانية ومع تقدير أهميتها وضرورتها القصوى يظل في مهب الريح ما دام هناك إغفال لمسؤولية حركة «أنصار الله» الحوثية في استمرار الأزمة اليمنية وفي معاناة اليمنيين، سواء الخاضعين لسيطرتها أو البعيدين عن تلك السيطرة، فضلاً عن عدم قبول الحوثيين أي عملية سياسية تقود إلى إغلاق ملف الحرب والأعمال القتالية بصورة نهائية، كما تعيد للحكومة الشرعية حقوقها التي أهدرها الانقلاب قبل سبع سنوات وما زال. والواضح أن إدارة بايدن ليست لديها رؤية بشأن كيفية التوصل إلى تسوية. والواضح أيضاً أن الإجابة عن تلك التساؤلات العملية ستكون جوهر مهمة المبعوث الأميركي تيموثي ليندركينغ، ومن ثم هناك فسحة من الزمن قبل أن تتبلور تلك الرؤية الأميركية لاحتواء الأزمة اليمنية.
الدور المنتظر للمبعوث الأميركي من شأنه أن يثير تساؤلات كبيرة حول مهمة المبعوث الأممي مارتن غريفيث، الذي رغم محاولاته المستمرة وحرصه على التواصل مع الحوثيين رغم كل العقبات التي يضعونها أمامه، فلم يحقق أي اختراق ملموس يضع اليمن على أبواب عملية سياسية ذات مغزى. وحتى أبرز إنجازاته وهو اتفاق استوكهولم الموقّع في ديسمبر (كانون الأول) 2018، والخاص بميناء الحديدة وتبادل الأسرى بين طرفي الأزمة، وفك حصار تعز، الذي أثار في حينه آمالاً كبرى بشأن الدخول في مفاوضات شاملة بين طرفي الأزمة، فلم يحقق أهدافه الأساسية، ولم يساعد على بناء الثقة كمقدمة لمفاوضات شاملة تنهي الصراع. وهي خبرة تؤكد أن جوهر استراتيجية الجماعة هي استهلاك الزمن، وعدم تقديم أي تنازلات ورفض تطبيق القرار الدولي 2216. وهي الاستراتيجية التي تدفع الحركة الحوثية إلى رفض التجاوب مع «الإعلان المشترك» الذي يقدمه غريفيث لطرفي النزاع كخطوة تعكس التزامهما الحل السلمي التدريجي.
ولعل تأجيل رفع الجماعة من قوائم المنظمات الإرهابية وربط الأمر بالانخراط الجاد في عملية سياسية لتطبيق القرار الأممي 2216 على وجه التحديد، والأخذ في الاعتبار مصالح جوار اليمن ودور التحالف في احتواء الانقسامات في الجنوب اليمني، قد يساعد ليندركينغ على بلورة تصور قابل للتطبيق، جزء منه إعمال لمبدأ العصا والجزرة، وجزء آخر يعنى بإعلاء قيمة مبدأ رفض العنف سبيلاً للاستيلاء على السلطة.
وتزامن الموقف الأميركي مع إعلان واشنطن تعيين الدبلوماسي الأميركي تيموثي ليندركينغ مبعوثاً خاصاً إلى اليمن، في مؤشر على جدية إدارة بايدن في إحداث اختراق في الملف اليمني، وتعزيز جهود المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث الذي سارع إلى الترحيب بهذا القرار ووصفه بالخطوة الإيجابية نحو تعزيز الانخراط الدولي والدبلوماسي. وعبّر في تغريدة على «تويتر» عن تطلعه إلى العمل مع المبعوث الأميركي الجديد من أجل إعادة اليمن إلى مسار السلام.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة