الرؤية والواقع

الرؤية والواقع

الأحد - 24 جمادى الآخرة 1442 هـ - 07 فبراير 2021 مـ رقم العدد [15412]
علي المزيد
كاتب في الشؤون الاقتصادية

في هذا المقال سأسرد لكم اليوم قصة رواها إبراهيم بن عبد العزيز اليحيى عن جده إبراهيم، وهي سيرة ذاتية تغطي الفترة ما بين 1308 وحتى 1391هـ.
يقول حدثني والدي قال حدثني عبد الله بن محمد اللهيب قال: خرجنا نحن الثلاثة أنا - ويقصد بأنا الجد إبراهيم اليحيى صاحب السيرة وليس كاتبها الحفيد، وتعمدت هذا التوضيح لأن الجد والحفيد يحملان نفس الاسم (إبراهيم) - وعبد المحسن الغميز ومحمد بن علي الطرباق على بعارين (الإبل) من بريدة - وهي مدينة وسط السعودية تبعد عن العاصمة الرياض شمالاً 300 كيلومتر تقريباً - نريد البحرين مروراً بالرياض، فنزلنا في شارع السويلم - وهو شارع في العاصمة السعودية الرياض قريب من قصر الحكم - فأرسلنا أحدنا إلى السوق ليشتري برسيماً للبعارين ويشتري لنا إيداماً للعشاء، فإذا بصاحبنا يدخل سوق الجفرة في الصفاة بجوار الجامع الكبير الذي يعد مقر حركة السوق آنذاك، فوجد صاحبنا الأسعار رخيصة جداً عن بريدة، وذلك أن بطيحة البرسيم - تعني حزمة البرسيم - بربع ريال فضة، ثم لما سأل عن اللحم وجد تيساً كاملاً عند الجزار معلقاً قيمته نصف ريال فضة، اشترى صاحبنا البرسيم والتيس، أكلنا وأطعمنا بعارينا ثم من الغد سرنا إلى ميناء العقير نريد البحرين لشراء بضاعة نعرفها ونعرف سعرها.
وعند ميناء العقير وضعنا بعارينا عند أهل البادية بأجرة يحفظونها ويرعونها حتى نعود من البحرين، وبعد أن وصلنا إلى البحرين اتجهنا إلى السوق لنسعر البضاعة المرادة، وإذ بالسعر متغير علينا، ما جعلنا نفكر في الذهاب إلى الهند «بومباي» مع أقرب سفينة، وبالفعل ذهبنا إلى الهند ولما وصلنا إلى الهند ذهبنا إلى محمد بن عبد الله البسام من أهل عنيزة، وهو معروف هناك وله بيت كبير مفتوح للضيافة، خاصة أهل نجد، وهناك أخبرنا ابن بسام بأن الدول اعترفت بابن سعود وقال (لو لي نظر بنجد كان شريت عقاراً بالرياض، لأن الرياض هي عاصمة ابن سعود) ويقصد بذلك لو كنت سأعود إلى نجد لاشتريت عقاراً في الرياض.
قلنا له غلطان، لو قلت بريدة كان صحيحاً لأن بريدة فيها سوق كبيرة تباع فيها 100 جمل دفعة واحدة، وتباع رعية غنم جميع، وفيها سوق ليست في العالم، والأسعار في بريدة أغلى من الرياض، فبطيحة البرسيم بالرياض بربع ريال وفي بريدة بريال، والتيس بالرياض بنصف ريال وببريدة بريالين، فأصر ابن بسام على رأيه. قال اللهيب بعد مدة من الزمن: صدق ابن بسام رحمه الله.
ما الفرق بين رؤية ابن بسام ورؤية هؤلاء الثلاثة؟ هؤلاء الثلاثة أخذوا عوامل الواقع، ومنها أن الطلب في بريدة عالٍ، ما تسبب بتضخم سعري، بينما هو في الرياض منخفض، ما جعل الأسعار رخيصة، بينما ابن بسام اعتمد على العامل المستقبلي وهو أن الرياض عاصمة ابن سعود أي عاصمة الملك، فحتماً ستتطور، ما يجعل أسعارها المستقبلية ترتفع.
هذا ينطبق على صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي كان منزوياً في وزارة المالية، وكانت استثماراته محدودة وبطيئة، وفي الآونة الأخيرة حينما وضعت له رؤية مستقبلية انطلق ليحقق مكاسب، وليشارك في المشروعات الربحية، وليخلق وضعاً مختلفاً عما كان عليه في السابق.
حينما تعتمد على الواقع فهذا الأمر قد يكون صحيحاً في مرحلته، ولكنك حينما تعتمد على الرؤية فأنت تشتري المستقبل وتراهن عليه وقد تنجح إذا وافقت توقعاتك العوامل المستقبلية.
يا تُرى كم في عالمنا العربي استثمارات مهمة ومشاريع ضخمة أهملت بسبب الاعتماد على عوامل الواقع دون النظر للعوامل المستقبلية؟
في عالمنا العربي نحن بحاجة إلى نفض الغبار عن مميزاتنا، فلدينا كثير من المواقع التي تستحق الاستثمار والمخاطرة ولكننا لم نعلق الجرس. ودمتم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة