انتظار قطار ألغيت رحلته

انتظار قطار ألغيت رحلته

الاثنين - 22 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 07 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15350]
نبيل عمرو
كاتب وسياسي فلسطيني

الحالة الفلسطينية الواقعة في انقسام داخلي وصلت إلى حدود الانفصال، وتحت ضغط استعصاءات متنامية تحول دون التفاؤل بفتح مسار سياسي يفضي إلى حل... هذه الحالة أنهكها الانتظار متعدد الأوجه... انتظار إدارة أميركية تعيد الحياة إلى شعملية سلام وقعت تحت طائلة احتضار طويل الأمد، فلا هي على قيد الحياة ولا هي في موت معلن، وكذلك انتظار إدارة إسرائيلية مختلفة عن إدارة نتنياهو صاحب امتياز واختصاص إغلاق الفرص مهما كانت ضعيفة، وكذلك انتظار معجزة عقد مؤتمر دولي إن لم يحقق حلاً فعلى الأقل يبقي القضية العادلة قيد التداول... إلى جانب انتظارات أخرى متفاوتة الواقعية والاستحالة.
انتظارات الفلسطينيين كان لها ما يبررها في زمن مختلف عن الزمن الذي نعيشه في الوقت الراهن، كان انتظار إدارة أميركية تضخ دماً في عروق العملية السياسية بعد تجمد كان يبدو مؤقتاً بررته الرعاية الأميركية المتحمسة لإنجاز سلام فلسطيني إسرائيلي تداوله كثير من الرؤساء الأميركيين.
وانتظار تغيير في إسرائيل كان مبرراً أيضاً حين كان هنالك حزب عمل يعد قوياً وحزب ميرتس كان فعالاً ونواب عرب يرجحون قرارات وتوجهات، غير أن ذلك كله لم يعد قائماً في الواقع، فلا قوة في إسرائيل تستحق الرهان عليها ولو بالحد الأدنى لإعادة بعض حياة إلى عملية السلام، وحتى بالحد الذي يحفظ ماء وجه من يمكن أن يقبل بها من الفلسطينيين، لا إدارة أميركية مستعدة للمجازفة ببذل جهد لإنقاذ عملية سلام تواصل احتضارها بين موت سريري وتردد في إعلان الوفاة، ولا قوة ثالثة تحفز وتحرض وتتحرك ولو تحت عنوان إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا مشروع السلام.
إن انتظار شيء ما في حالة أميركية وإسرائيلية ودولية كهذه، يشبه انتظار قطار ألغيت رحلته من دون معرفة لموعد محدد لاستئنافها، وحتى من دون التسليم بأن الرحلة ألغيت إلى ما لا نهاية.
إن أول ما يتعين على الفلسطينيين القيام به هو مغادرة محطة الانتظار أولاً ولن يلومهم أحد على ذلك، فقد أعطوا لفرص السلام العادل، وحتى غير العادل كل ما طلب منهم أن يعطوا وكان سخاؤهم في العطاء الذي سمي بالتنازلات راجعاً إلى رغبتهم في نفي الاتهام الذي التصق بهم بأنهم لم يتركوا فرصة لإضاعة الفرص إلا واغتنموها، وكذلك رغبتهم المشروعة في حياة كريمة داخل دولة يعيشون فيها ويحملون هويتها، ويقررون مستقبل أجيالهم في ظلها بعيداً عن الإهانة الدائمة والإذلال المتمادي الذي يمارسه الاحتلال بأشد وسائل الفظاعة ضدهم.
إنَّ مغادرة محطة الانتظار يجب أن يكون بديلها محطة الفعل الذي ينبغي أن يبدأ ويتكرس في أداء الواجبات الأساسية نحو الذات. وهي واجبات يمكن أداؤها من دون انتظار تغيير لا في القيادة الإسرائيلية ولا الأميركية، وحتى من دون انتظار مبادرات أوروبية ثبت أنها قليلة الفاعلية والتأثير؛ ليتفرغوا لتحسين إداراتهم لشؤون الملايين من الفلسطينيين الذين يعيشون تحت رايات السلطة الوطنية التي أنهكها الانقسام والانهيارات المتتالية، وليرمموا العلاقة المضطربة، إن لم أقل المعدومة مع نصف شعبهم المنتشر على كل مكان فوق سطح المعمورة، حين ينجزون مهامهم على هذا الصعيد ستكون مخاطبتهم للعالم أجدى وأكثر مصداقية، ذلك أن من ينتظر قطارا ألغيت رحلته يكون قد اختار العجز واللاجدوى، وهذا ما لا يمكن للشعب الفلسطيني وأصدقائه وأشقائه المخلصين أن يقبلوا به.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة