حرب البسوس بين يوليو وأكتوبر

حرب البسوس بين يوليو وأكتوبر

الخميس - 18 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 03 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15346]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

تدور رحى حرب صامتة بين الزملاء الأعزاء في سكرتارية التحرير وبيني أصبح عمرها الآن نحو 34 عاماً. وموضوع اشتعال هذه الجبهة شبه اليومية، خلاف حول ما يعتبره الزملاء حرصاً على الدقة، وما أرى فيه لزوم ما لا يلزم، وامتهاناً لثقافة القارئ واطلاعه. مثالاً على ذلك، أنا أصرّ على ذكر 23 يوليو كاسم علم، ليس من الضروري إطلاقاً شرحها بـ23 تموز. فهناك 23 يوليو 1952 واحدة، ومصر واحدة. وأنا أسمّي 6 أكتوبر 6 أكتوبر، لكن السكرتارية تضيف إليها فوراً تشرين الأول. وأسمّي 11 سبتمبر في نيويورك 11 سبتمبر، لكن الزملاء الأعزاء يسارعون إلى شرحه، لمن لم يبلغه الأمر بعد، إنه ذلك النهار من غرة شهر الفاتح في نيويورك.

وأنا ماضٍ في العناد وهم ماضون في الصحاح. ونقطة الخلاف الأخرى هي حرف الزاين والسين. أنا أكتب «التايمس» بالسين، كما تلفظ، والزملاء الأعزاء يكتبونها (ويصححونها) بالزاين كما لفظها أجدادهم الأكارم، وقبل أن يبلغ عدد العرب المقيمين، أو الزائرين، أو الدارسين، لبلاد الأنكلوساكسون، عشرات الملايين.

هل المسألة على هذا الجانب من الأهمية، أو الخطورة، كما كان يقول طه حسين؟ نعم. لأنه ما دام الصواب متوافراً فلماذا اختيار - والإصرار – على عكسه. في الـ«بي بي سي» دائرة قديمة لها مهمة واحدة هي لفظ الأسماء العلم كما تُلفظ في بلدانها. بينما اختار أسلافنا تحويل «بلاتو» إلى أفلاطون، وجوليوس سيزار إلى يوليوس قيصر، والشيشان إلى «بلاد الشيشان». وها نحن حذفنا سابقة «بلاد» من دون أن تختل القواعد. وكان أسلافنا يختمون الأسماء العلم بالتاء المربوطة، كما في فلورنسة، ولندرة، ولم يحدث شيء، أو اختلال، عندما تحولنا إلى فلورنسا ولندن وروما.

أسلافنا نقل كل منهم عن اللغة التي يجيدها. أقدمت مصر على فرنجة الأسماء العلم بدل تعريبها: يونيو ويوليو وأبريل وشم النسيم، وغلبت أصالح بروحي، وأنساك، وأغداً ألقاك.

لو لم أكشف عن طبيعة الحرب بين سكرتارية التحرير وبيني، لما درى بها أحد. والأرجح أنهم سوف ينتصرون. فالقرار الأخير قرارهم في إحلال الزاين محل السين في النيويورك تايمس، واللندن تايمس، وتايمس أوف إنديا.

أيام لندن كنت أسافر دوماً بينها وبين باريس. وكنت أشفق على اللغة الفرنسية من الإنجليز في الذهاب، وأبكي على حال الإنجليزية من الفرنسيين في طريق العودة. وكل ما أفهم في الحالتين هو أن علينا شد الحزام، وتجليس المقاعد. وإلى الزملاء الأعزاء في سكرتارية التحرير، تحية من 23 يوليو، و6 أكتوبر، وهو صحيح الهوى غلاب...


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة