حوار مع صديقي الغربي

حوار مع صديقي الغربي

الاثنين - 14 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 30 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15343]

حين التحقت بـ«بي بي سي عربي» قادماً من مصر إلى لندن نصحني زميل بأنْ أهتمَ كثيراً بالانطباع الأول لدى المديرين البريطانيين. قال لي إنَّ الأجنبي يفرح بالمعلومة الأولى التي يتلقاها عن العالم الغريب، كما يفرح المرء بالعبارات الأولى التي يتعلمها من لغة أجنبية. إنْ علَّمته أن يقول «صباح الخير» فستجده يطوف بها سعيداً على من يقابله: «صباخ خير»، «صباخ خير». القصد: احرص على أن تصل إليهم قبل غيرك، لأنَّ انطباعاتهم الأولى أثمن لديهم من استبدالها.
الحيز الذي يخصصه شخص لما يخص بلداً غريباً، ضئيل. كلنا يفعل ذلك. إليزابيث أو جون فرنسوا لن يعنيهما كثيراً ما يحدث مع أمونيت وحسين. حتى إن كان عمل جون فرنسوا يشمل كتابة تقارير صحافية واجتماعية عن أمونيت وحسين، فلن يكون همه ما يريدان، بل همه ما يجب أن يحدث منهما لكي لا تتأثر الدائرة المحيطة به هو سلباً، على الأقل، أو أن تحقق له نفعاً. ليس هذا لأنه شرير، بل لأنه إنسان طبيعي. كائن بيولوجي يعيش في نطاق معين، ومن مصلحته تحقيق الأفضل لهذا النطاق. وأحمق من يسعى إلى سعادة العالم عبر شقاء دائرته الأقرب.
ربما تكون إليزابيث، أو جون فرنسوا، صادقين في اعتقادهما بالرغبة في نشر السعادة في العالم. لكنهما لن ينتبها إلى أن السعادة بالنسبة إليهما، وبالنسبة إلى دائرتهما المحيطة، تختلف عن السعادة بالنسبة لحسين وأمونيت.
ستحمل إليزابيث وجون فرنسوا السؤال: ماذا يسعد حسين وأمونيت؟ وسيبحثان له عن الإجابة المانعة. وغالباً ستكون أول إجابة تقدَّم إليهما.
الكلمة التي تفهم منها أمونيت تهديداً، أو تلويحاً بتهديد، قد تعدّها إليزابيث نوعاً من حرية التعبير، أو «الخصوصية الثقافية».
والعبارة التي يسمعها حسين فيستعيد سلسلة تعيسة من الأحداث، قد يعدّها جون فرنسوا حكمة العام، ومبعث الأمل.
إليزابيث وجون فرنسوا لم يقررا بنفسيهما قيمة هذه الكلمة أو تلك العبارة، هذا التهديد، هذا التلويح بالتهديد. ليس في مقدورهما. إليزابيث وجون فرنسوا لم يعيشا التاريخ الذي عاشه حسين، ولا مرَّا بالمخاوف والقلق الصباحي المستديم المتكرر المتواصل اليومي اللذين تمر بهما أمونيت.
سيبحثان عمن يقيّم لهما. وسيعتمدان أول إجابة يحصلان عليها.
ما يبدو بدهياً فيما سبق صار في عصر العولمة كارثة. سابقاً كانت قلة قليلة من أهل بلد ما تقرأ ما يكتبه الآخرون عنها. اليوم صار المكتوب في لندن وباريس ونيويورك موجوداً في القاهرة والرياض وبودابست في نفس اللحظة.
وبالتالي زادت قيمة إليزابيث وجون فرنسوا في الضغط السياسي.
وباعتبار أن الدائرة الإعلامية الغربية التي تهتم بالشرق الأوسط محدودة، فإن الحصول على صوت فيها يؤثر تأثيراً مضاعفاً. والحصول على صوت لا يعني بالضرورة شراء هذا الصوت، وإنما اكتسابه إلى صف حُجّة ما.
ومهنة الإعلام، على اتساعها، مهنة محدودة المداخل. وحين يتعلق الأمر بالتغطية الإعلامية العالمية للشرق الأوسط، فالمداخل أضيق وأضيق. ويمكن حصرها في دائرة بسيطة، غرضها أن تكون جاهزاً أسرع من غيرك لكي تلقّن الأجنبي، ذلك المؤثر الذي تحدثنا عنه، الإجابة الأولى؛ ليعتمدها.
لديك بالتحديد أربعة مداخل أساسية:
1- الأقسام الناطقة بالعربية في وسائل الإعلام العالمية. وأهميتها أنها الملجأ الأول للمؤسسة الأم لكي تستفسر عمَّا يحدث في الشرق الأوسط.
2- الأكاديمية. وأهميتها مزدوجة. تقدم معلومة مفصلة تكتب بها التاريخ. والأكاديميون يظهرون ضيوفاً «محايدين» على شاشات التلفزيون للتعليق.
3- السوشيال ميديا. والمقصد هنا هو الإدارة النظامية لها. التي تستطيع أن تخلق خبراً يقول إن هاشتاغ كذا صار الهاشتاغ الأعلى تداولاً. وهي النظامية التي أوصلت توكل كرمان لتكون في الهيئة العالمية للإشراف على «فيسبوك».
أما المدخل الرابع فيستحق الانفراد بفقرة خاصة.
حين يزور جون فرنسوا مصر يريد أن يلتقي شخصاً يحدّثه عن رأي المصريين في العلاقة مع إسرائيل، أو في التصرف مع جماعة الإخوان المسلمين، أو في نظرتهم إلى تركيا، لن يستطيع أن يفعل ذلك بنفسه. من أين يأتي بأرقام تليفونات؟ وكيف يتغلب على حاجز اللغة؟ لا بد له من «فيكسر». وهي مهنة معروفة في عالم الإعلام ولا سيما العابر للثقافات. ودور هذا الـ«فيكسر» أن يأتي له بمن يتحدث نيابةً عن المصريين. وأن ينتقيهم على عينه. نسمي هذا سخريةً «مكاتب الاستقبال السياحي الإعلامية». هذه الطائفة احتكرت أيضاً وظيفة مراسلي الصحف الأجنبية وأمّنت عليها في دائرتهم، لكي تضمن أن تكون الصورة المنقولة في العالم منقولة عبرهم.
تبسيط الموضوع بهذه الطريقة ضروري، حتى لا يتحول إلى نقاش فيزيائي حول الجاذبية تغيب عنه تطبيقاتها اليومية في حياتنا. الإعلام - كما رأينا في الولايات المتحدة - لا يملك تماماً ناصية العقول، لكنه مؤثر للغاية.
صارت أصعب مهمة حالياً التحاور مع صديق غربي حول الشرق الأوسط، حول الوضع في مصر أو السعودية أو ليبيا. ديجافو أعاد إلى ذهني نفس عينة الحوارات في بداية الألفية، وكانت وقتها عن إيران و«حزب الله». الجزء الضئيل الذي يخصصه هذا الشخص الغربي لشؤون الشرق الأوسط يستهدفه جيش إعلامي في طليعة أي مشروع توسعي.
تكتب إليزابيث، ويكتب جون فرنسوا، عن حياة أمونيت وحسين بتعالي العارف، بهذه العنصرية المستترة في اليساري الغربي، الذي يظن نفسه حامل النبراس لأمثالنا. وتدفع أمونيت وحسين الثمن. فإن خرب العالم من حولهما انتقلت أمونيت وحسين إلى مخيم، وانتقلت إليزابيث وجون فرنسوا إلى الكتابة عن مشكلات اللاجئين.
إليزابيث وجون فرنسوا سيستهلكان أمونيت وحسين من المهد إلى اللحد. وهما يعتقدان أنهما يخرجانهما من الظلمات إلى النور.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة