لبنان: ما بعد سقوط حكومة اللاشيء!

لبنان: ما بعد سقوط حكومة اللاشيء!

الخميس - 24 ذو الحجة 1441 هـ - 13 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [15234]
حنا صالح
كاتب لبناني

200 يوم من عمر الحكومة – الواجهة في السراي، كانت على اللبنانيين أطول من دهر، فجاء سقوطها المدوي مساء العاشر من أغسطس (آب) على خلفية مسؤوليتها الفادحة عن جريمة الحرب التي ضربت لبنان. استنكفت حكومة «حزب الله» التي ترأسَّها حسان دياب عن اتخاذ أي إجراء يمكن أن يبطئ الانهيار أو يفتح مساراً آخر. استند رئيسها إلى دعم مفتوح من جانب «الدويلة» التي وسعت من تغولها على الدولة، وإلى تلبية كل طلبات الرئاسة والصهر، معتبراً أن رضا مشغليه سيجعل إقامته مديدة في السراي. شخص فاته مغزى الحكمة التي زينت مدخل القصر الحكومي: «لو دامت لغيرك لما اتصلت إليك»!
كان مطمئناً إلى أن رعاته يريدون استمرار الحكومة حتى نهاية العهد، على أن يُناط بها إجراء الانتخابات البرلمانية الآتية في مايو (أيار) من عام 2022 التي يراهن النائب باسيل على نتائجها، ورضا طهران وحزبها، كي يخلف عون في القصر الجمهوري! لكن وقع الزلزال الذي ضرب بيروت غير المعادلات، وكشف التواطؤ على حياة اللبنانيين، لم يمهله لتجنب تجرع كأس الإقالة، فألقى خطاباً ديماغوجياً مكرراً من الخطب السابقة. راح يشن هجوماً عبثياً «ضدهم» و«عليهم» وعلى «ممارساتهم» و«فسادهم». بدا مغلوباً على أمره وهو أكثر من يعرف أن حكومته لا شيء، ولم يكن أكثر من فراغ، واجهة مخروقة تغطي أصحاب القرار الفعليين الذين استخدموه ورموه. لم يعتذر ولم يعترف بمسؤوليته الشخصية والحكومية عن زلزال «بيروتشيما» فأضاف سمة ستلازمه بعد اليوم، وهي انعدام الحس الإنساني!
لكن مهلاً، لا يتحمل دياب وحده الأوزار. كلهم كانوا يعلمون أن بيروت تنام على وسادة متفجرة ولم يحركوا ساكناً. أليس أمراً غريباً أن الجهات الأمنية دأبت منذ عام 2015 تحذر من العنبر رقم 12؟! وأن تقارير أكلها الغبار نبَّهت من خطر دمار العاصمة، كانت أمام رؤساء الحكومات والوزراء، ولم يقم أي مسؤول بما يجب القيام به؟! ورغم التأكد من أن حسان دياب تبلغ شفهياً في 4 يونيو (حزيران) بالتفاصيل وكذلك وزيرة الدفاع عكر، فإنه عاد وادعى عدم المعرفة، حتى كشفت «رويترز» أنه ورئيس الجمهورية كانا على علم بوجود «نيترات الأمونيا» وبأن تلك المادة تشكل خطراً داهماً، وأن المديرية العامة لأمن الدولة رفعت تقريراً مفصلاً إلى الرئيسين في 20 يوليو (تموز) الفائت، تضمن تحذيراً من خطرين: «سرقة المواد واستخدامها في عمل إرهابي، أو انفجارها، محذرة من أنها قد تدمر بيروت». ومعروف أن الرئيس عون قد أقر بأنه تبلَّغ وقال: «أوعزنا فوراً إلى الاتصال بالأمين العام لمجلس الدفاع، والتواصل مع المعنيين لإجراء اللازم»، مضيفاً أن لا صلاحيات لديه!
ما حدث يطرح الأسئلة عن دور «حزب الله»، فهل هو الجهة التي أملت على السلطة إهمال الخطر الذي فجَّر جريمة ضد الإنسانية لم يستفق لبنان من هولها بعد؟ الخسائر في الأرواح والمفقودين، والذين دُفنوا أحياء تحت الركام سيبقون جرحاً لن يندمل بسهولة، والخسائر في الممتلكات وقدرات البلد لا يمكن أن تعوَّض بسهولة، فمرفأ بيروت هو عصب الاقتصاد اللبناني، والحدث الذي حاكى جريمة ناغازاكي قضم العاصمة ومحا جزءاً من الأحياء التراثية القديمة، والخطر على استمرار نسيج المدينة حقيقي؛ لأنه في وضع لبنان الحالي سيكون ضرباً من المحال الرهان على إمكانية الترميم السريع.
والأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً عندما يعمم «حزب الله» معطيات، سداها ولحمتها أن لا دور للعدو الإسرائيلي، مع العلم بأن التهديدات الإسرائيلية باستهداف البنية التحتية تكررت! وهذا الاحتمال ليس مستبعداً، تبعاً لتحليلات خبراء قالوا إن التفجير متعذر من دون صاعق قوي، وإن الانفجار الأول ربما كان في مخزن ذخيرة تفجرت ومهدت للانفجار المروع! ورغم ذلك يلتقي نصر الله مع عون وباسيل على اعتبار الأمر فرصة (...) لفك العزلة عن الحكم! أما التحقيقات وفق باسيل: «ليست كيف ولماذا تم تخزين نيترات الأمونيا؛ بل كيف تم إشعالها لتفجيرها»! ويباشرون في تحقيق «إداري» متعجل، وهاجسهم الإفلات من المسؤولية برمي كل الجريمة على كبش فداء من نوع رئيس عنبر، أو حتى مدير إداري، لتغطية المسؤولية السياسية والأمنية! ويعرف الناس أن كل التحقيقات في الجرائم الكبرى والإحالات إلى المجلس العدلي منذ عام 1975 قُيدت ضد مجهول!
المواجهة مع منظومة الفساد انتقلت إلى مرحلة متقدمة صعبة ومعقدة. وبعد إعلان قبطان الباخرة الروسية «روسوس» أنهم «كانوا يعلمون ما هي محتويات الشحنة، وأن شاري الشحنة تبين أنه شخصية وهمية» (...) أي أن المواد وصلت إلى حيث يجب أن تصل، بات التحقيق الدولي أكثر من ضرورة، وما الاعتراض الرسمي عليه إلا للخوف من كشف المستور عن أسلحة أخرى، بعدما شهد العالم ما يشبه الانفجار النووي؛ حيث يهيمن «حزب الله» على العنابر والأرصفة! وحده تحقيق دولي شفاف يقدم الصورة الفعلية عن كل ما يجري من تهريب وممنوع أو استقدام البضائع المرتبطة بالاقتصاد الموازي الذي أنشأته الدويلة!
سقطت الحكومة – الواجهة؛ لكن حق اللبنانيين في العدالة لن يسقط، فالشارع الذي يسوده غضب عارم وشعور من أن هناك على المستوى الرسمي من يتآمر على الناس، يعيش انهياراً كاملاً في الثقة بالرئاسة والسلطة مجتمعة وكل الطبقة السياسية. واللافت أن الشرعية الشعبية التي تمثلها «ثورة تشرين» لا تعتبر سقوط الحكومة ثمناً مرضياً، لذا طالبت المظاهرات الغاضبة بتغيير حقيقي يبدأ من رأس الهرم، إذ ليس من الجائز الإتيان برئيس للجمهورية بقوة سلاح الدويلة، على ما أكد نواب من «حزب الله» تحت قبة البرلمان، وليس مقبولاً إجراء انتخابات نيابية وفق قانون غب الطلب، مزور للإرادة الشعبية!
أما الذين يبحثون في الدفاتر القديمة عن الحصص في حكومة «وحدة وطنية»، مستندين إلى الاقتراح الفرنسي بقيام حكومة وحدة، يُظهرون أن منظومة الفساد تعيد جمع صفوفها، ماضية في نهج الإجرام، رغم جريمة الحرب التي رمدت نصف بيروت. بالمقابل، قالت مظاهرات بيروت التي رفعت صورهم على مجسمات وحبل المشنقة على أعناقهم، إن «ألِف باء» الخروج من النفق يتطلب قيام حكومة سياسية مستقلة عن أحزاب الفساد، تقود المرحلة الانتقالية، من تأمين الرغيف وحبة الدواء وصولاً إلى إنجاز مطلب إعادة تكوين السلطة؛ حكومة قادرة على استعادة الثقة، ولا يكون رئيسها من أسقطته الثورة قبل تسعة أشهر!
ولكل أصحاب المشروعات في الداخل والخارج، أن يدركوا أن العاصمة التي دمرت جريمة الحرب نصفها فوق رؤوس ساكنيها، تستحق ومعها كل لبنان، رئيس حكومة يستطيع التجول بين الناس، ولا يكون شرط الوصول إلى المنصب بقاء جدران العار تزنر السراي والبرلمان الفاقد للشرعية، وبعد اليوم لن يكون مستغرباً أن تتجه الأمور إلى فرض حجْر شعبي على كل من تسلم مسؤولية سياسية بعد الحرب الأهلية!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة