محاكمة المرفأ

محاكمة المرفأ

الأحد - 20 ذو الحجة 1441 هـ - 09 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [15230]
علي المزيد
كاتب في الشؤون الاقتصادية

حادثة مرفأ بيروت فاجعة بكل المقاييس، لذلك أعزي الشعب اللبناني في ضحايا المرفأ، وأرجو الشفاء للجرحى والمصابين.
حادثة المرفأ كارثة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فهي كارثة على المستوى الإنساني، وكارثة على المستوى السياسي، وكارثة على المستوى الاقتصادي، وكارثة على المستوى الاجتماعي.
قبل حادثة المرفأ كان لبنان يعاني من وضع اقتصادي حاد جاء نتيجة لأسباب عدة، منها عدم خضوع حزب الله لمرجعية الدولة اللبنانية، مما جعل الدول الكبرى تدرجه في قوائم الإرهاب، وتحاصر منابع أمواله، وتوقف المساعدة للبنان، وجاء حصار إيران ليقلل موارد الحزب ويجعله يستنجد بأنصاره.
هذا الوضع إضافة إلى جائحة كورونا أديا إلى تدهور الليرة اللبنانية أمام الدولار لتأتي حادثة المرفأ لتزيد الطين بلة. وتقدر خسائر الحادثة ما بين 10 و15 مليار دولار، وبالتأكيد لبنان غير قادر عليها، والمساعدات ستبدأ بحماس وتقدم المساعدات الطبية كناحية إنسانية، ثم سيخف الحماس لتجد الدولة نفسها مع عدد قليل من الأصدقاء في مواجهة إعمار المرفأ الذي يحتاج إلى الكثير من الأموال، والمواطن اللبناني سيجد نفسه في مأزق اقتصادي؛ إذ تذكر الأنباء أنه لا يوجد بيت في بيروت إلا وقد تضرر، ومع قلة الحركة الاقتصادية وتحديد السحب للمواطن من البنوك بـ500 دولار أسبوعياً، فإن المواطن القادر سيجد نفسه في مأزق لإعادة إعمار بيته، فما بالك بالمواطن غير القادر.
الكارثة الاقتصادية عظيمة وبالغة التكلفة على لبنان، ولكن التكلفة السياسية أكبر، فبعض اللبنانيين طالبوا بتدخل فرنسا وعودة الانتداب الفرنسي، والبعض الآخر أقل تطرفاً طالب بتحقيق دولي، فما الذي دعا اللبنانيين لذلك؟ الذي دعاهم عدم ثقتهم بقدرات الدولة للوصول إلى نتيجة، وذلك نتيجة السياق التاريخي، ففي كل عملية بما فيها الاغتيالات لا يُدان أحد، حتى إن ظرفاء اللبنانيين أو عقلاءهم حينما يبدأ تحقيق ما، يقولون: «نعرف النتيجة، والخطأ على المرحوم»؛ كناية عن ضياع النتيجة، فهل تنتهي محاكمة المرفأ بإسناد الخطأ على المرحوم؟!
ويستدل اللبنانيون على ذلك بطلب حزب الله طلب إسناد التحقيق للجيش، إذ إنه يمثل إجماعاً، فيما يرى بعض اللبنانيين أن التمسك بالجيش هو فقط رمزية لوحدة الدولة التي فرقتها الطوائف. فبعض اللبنانيين يرون أن الجيش غير مؤهل لتولي التحقيق، فهو لا يملك عدداً كافياً من القانونيين القادرين على تحديد مسؤولية الحادث، وقدرة الجيش تنحصر في تحديد سبب الانفجار وتحديد قوته، أما تحديد المسؤولية فهو غير قادر عليها.
جميع دول العالم تنادت لتقديم المساعدة الإنسانية للبنان، ولكن بعد هدوء الحال ومواساة المصابين يتبقى إعمار ما تهدم، وهذه لن تقدمها الدول مجاناً، بل ستكون خاضعة للمفاوضات، وأهمها نزع سلاح حزب الله، فهل ستكون الحكومة اللبنانية قادرة على تقديم ما تريده الحكومات المانحة؟ أم أن حليمة ستعود لعادتها القديمة؟! ودمتم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة