«المواجهة الملتبسة» والمخاطر الحقيقية!

«المواجهة الملتبسة» والمخاطر الحقيقية!

الخميس - 10 ذو الحجة 1441 هـ - 30 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15220]
حنا صالح
كاتب لبناني

هل هي أشهر ساخنة تنتظر لبنان، بعدما أحكم «حزب الله» قبضته على مفاصل القرار، مع تركيبة حكومية طيّعة و«تحالف» عميق مع الرئاسة الأولى وتيارها السياسي يقوم على تبادل الخدمات؟ إنها الفترة الفاصلة عن موعد الانتخابات الأميركية، وهي بحدود الـ100 يوم تقريباً، وهي دقيقة وصعبة، نظراً لتصادم الأجندات واختلاف الحسابات، والرهان في طهران على التأثير السلبي على معركة الرئيس ترمب! لكن مع التعامي عن الدلالات الحقيقية للتطورات على امتداد الإقليم، فإن سلوك حكام إيران قد يقود إلى خطأ ما في الحساب من شأنه أن يؤدي إلى انزلاقٍ عسكري غير محسوب، يصعب السيطرة على تداعياته.
وكأن لبنان لا يكفيه ما فيه، فيراد له في هذه الأوقات أن يكون صندوق بريد في خدمة مخططات حكام طهران. فوق أنه استبيحت إمكانات البلد وتم إغراقه في انهيار مريع مالي واقتصادي واجتماعي، معطوف على نشاطٍ غير مسبوق للسوق السوداء تمسك خيوطها من الخلف مافيا، وفوق اللامسؤولية من جانب الحكومة - الواجهة، حيال تفشي الجائحة وشمولها المناطق اللبنانية كافة، والذعر الحقيقي من إمكانية خروجها عن السيطرة، خصوصاً مع الاضطراب الشديد في النظام الصحي والارتفاع الكبير في نسبة الإصابات بين أفراد الجهاز الطبي والتمريضي... إلخ، حتى يطل السفير الإيراني محمد جلال فيروزنيا ليتوعد من بيروت الإسرائيليين بأنهم إن «أقدموا على أي حماقة فستكون ضربة أقوى بانتظارهم» على يد «حزب الله»!
حديث السفير فيروزنيا ظهر الاثنين الماضي، قبل ساعات قليلة على «المواجهة الملتبسة» في مزارع شبعا المحتلة، يظهر بوضوح أن النظام الإيراني يسعى مجدداً إلى وضع حروبه بالوكالة في التطبيق، والنأي بالمواجهة عن أراضيه لاستبعاد أي صدام مباشر. ويعرف القاصي والداني أن النظام الإيراني بعد الحرب مع نظام صدام حسين لم ينخرط في أي مواجهة مباشرة، بل إن الاستثمارات الكبيرة التي وظفها في أكثر من بلد وفرت له البدائل من لبنان ومروراً بالعراق وسوريا وإلى اليمن، ما سهل تمدد نفوذ ملالي طهران الذين تبجحوا منذ سنوات بالسيطرة على أربع عواصم عربية! والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل هناك في طهران من يعتقد أن التوقيت مناسب لاتخاذ خطوات من شأنها تغيير المشهد والمنحى، بتوجيه رسائل إيرانية إلى إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، بأن ما يجري له أبعاده الإقليمية؟
وقد لا يكون غريباً من جانب طهران، أن تسعى لأخذ المبادرة في توقيت تعتقد أنه يمكن أن يُستغل في صالحها. وبعدما بلعت مئات الضربات الإسرائيلية، التي استهدفت قواعدها على امتداد جغرافيا سوريا وفي العمق العراقي فضلاً عن ضربات نوعية داخل إيران، حددت أولوياتها التي ليس بينها مصلحة لبنان وشعبه، وضربت عرض الحائط بالتحذيرات التي تلقتها بيروت من أميركا (الجنرال ماكينزي) ومن فرنسا (الوزير لودريان) ومن مصر (الرئيس السيسي). كما تجاهلت الحملة التي أطلقتها تل أبيب عندما ادعت وجود قواعد صاروخية في أماكن مأهولة في بيروت الكبرى واتهمت «حزب الله» بأنه يتخذ المواطنين دروعاً بشرية له!
في هذا السياق لم يكن بالأمر الطارئ «التهاب» الجبهة في جنوب لبنان بعد ظهر الاثنين الماضي، مع ملاحظة أن الالتهاب الإعلامي كان الأكبر من نوعه. كان هناك تسويق إسرائيلي يريد استدراج ردٍ ما، وبالمقابل تحدث البعض في بيروت عن سيناريوهات عسكرية بينها هجوم ثنائي من الجولان والجنوب. وللدقة فإن التصعيد الإعلامي بدأ غداة العملية الإسرائيلية ضد موقع لـ«الحرس الثوري» جنوب مطار دمشق الدولي، حيث للمرة الأولى يعلن «حزب الله» عن خسائره، وكان بينها أحد مسؤوليه العسكريين، وأعادت وسائل الإعلام التذكير بخطاب لنصر الله أعلن فيه أنه «إذا سقط مجاهد من إخواننا في سوريا، سنرد على العدو من كل مكان»، ولأن الجانب الروسي حظر أي رد إيراني من الأراضي السورية، لا يبقى بالتالي إلا لبنان. وفي السياق عينه كان لافتاً جداً أن جهة ما وجّهت بإرسال طواقم من المراسلين والكاميرات بشكلٍ مبكر باتجاه شبعا وكفرشوبا مع إمكانية البث المباشر... وطيلة أكثر من ساعتين كانت وسائل إعلام مؤيدة لـ«حزب الله» تحتفل مستخدمة كلمة الانتقام على إطلاق صاروخ «كورنيت» على آلية معادية، كما أن البعض وصف ما يجري بأنه «الرد الأولي».
بعد نفي «حزب الله» بالمبدأ أنه ليس طرفاً في أي مواجهة واتهامه العدو الإسرائيلي أنه يبحث عن انتصارات وهمية، وأن كل ما حصل هو نتيجة التوهم والعصبية التي تسود أوساط العدو «الخائف والقلق والمتوتر»... ويضيف أن الرد آتٍ حتماً! ويتمسك بنيامين نتنياهو بالحديث عن توثيق مصور للأحداث ويؤكد الرواية الإسرائيلية عن إحباط محاولة تسلل، ويحمل الحكومة اللبنانية المسؤولية، بدا لبنان الرسمي الطرف الغائب كلية عن المعادلة، لم يستوقفه التهديد الإسرائيلي وأبعاده على غير صعيد، كما لم يستوقفه مضمون موقف «حزب الله» ومفاده أن ما سيحصل على الحدود الجنوبية أمر يقرر بشأنه «الحزب» وبالتالي طهران!
إن أي قراءة متأنية للحدث الذي اقتصر على بعض مزارع شبعا المحتلة، فإن فرضية حدوث عملية استباقية أمر مرجح، ومرجح أيضاً أن لا تل أبيب ولا «حزب الله» بوارد فتح مواجهة كبرى في هذه المرحلة. «المواجهة ملتبسة» ربما، لكن المخاطر حقيقية والخسائر جسيمة، التي تطال لبنان الرسمي والمصلحة الوطنية. لأنه عندما تصمت السلطات الرسمية عن إعلان «الحزب» أنه ممسك بقرار الحرب والسلم، وتسلم ببقاء الدولة رهينة للدويلة، فمن المرجح أن ينعكس هذا الأمر على موضوع التجديد للقوات الدولية «اليونيفيل». هذه المسألة مهمة للبنان وكانت وما زالت موضع تجاذب خصوصاً حيال «قواعد الاشتباك» والدور المنوط بالقوة الدولية، والمطالبة الأميركية والدولية كبيرة جداً لتعديل هذه القواعد بإطلاق يد «اليونيفيل»، وإلا البديل هو تخفيض العديد، ما يهدد بأخطار تهدد احترام القرار الدولي 1701، وتالياً أمن الجنوب والاستقرار الذي نعمت به هذه المنطقة.
ولأن القرار الحقيقي، قبل حديث السفير الإيراني وبعده، في يد طهران، لن يضير حكم الملالي وضع لبنان في عين عاصفة لم يعرفها في أي وقت. غير أن التذرع بنوايا العدو الخطيرة في استهداف لبنان، لم يعد بضاعة يسهل ترويجها للانقضاض أكثر فأكثر على الوضع الداخلي، خصوصاً بعد طرح مسألة الحياد التي تحولت إلى كرة ثلج تلتقي مع مطلب ثورة تشرين باستعادة الدولة المخطوفة بالفساد والسلاح، كي يكون ممكناً الانتقال بلبنان من حال إلى حال ولو بصعوبة، لأن في ذلك فقط الإمكانية الحقيقية لبدء تعافي الجمهورية، كما استعادة المركز والدور بما يمكن لبنان من الدفاع عن الأرض وحماية الحدود وتحقيق المطالب وصون الكرامات.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة