إنه الاقتصاد يا «كوفيد»

إنه الاقتصاد يا «كوفيد»

الأحد - 21 ذو القعدة 1441 هـ - 12 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15202]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

من عبارة «إنه الاقتصاد يا غبي» لجيمس كارفيل، مخطط استراتيجية الحملة الانتخابية الناجحة لبيل كلينتون في 1992؛ واستوعبها ريشي سوناك أصغر وزير للمالية والاقتصاد والتبادلات التجارية في بريطانيا في 134 عاماً، في إجراءات تعتبر ميزانية مصغرة خصص لها 30 مليار جنيه إسترليني، (إضافة إلى 40 مليار جنيه خصصت من قبل في مارس (آذار) لدفع 80 في المائة من أجور العاملين لستة أشهر)، في محاولة إنعاش الاقتصاد المجمد بسبب مكافحة وباء «كوفيد- 19» الذي غيَّر حياتنا جميعاً.
أقيم وحدي منذ نهاية فبراير (شباط) بسبب خطورة العدوى البالغة على حالتي الصحية، والأولاد تناثروا جغرافياً بين ثلاث مقاطعات إنجليزية وثلاث دول. ابن التاسعة عشرة سافر إلى النرويج، تذكرة الطائرة ثلث ثمن تذكرة القطار، إلى جامعته في بريستول، وطمأنني (بتيكست طبعاً) على سلامته من العدوى بقصر وقت إجراءات مطار غاتويك المهجور (17 ألف مسافر الشهر الماضي، مقارنة بمليون مسافر في يونيو (حزيران) 2019) و16 راكباً فقط على طائرة تتسع لـ190 راكباً. قطاع السفر بالطيران ساهم بـ52 مليار جنيه عام 2018 في الاقتصاد البريطاني.
تنشيط هذا القطاع مهم لـ960 ألفاً من العاملين فيه، والأمر مرهون بحالة أسواق خارج نفوذ الحكومة البريطانية. ولذا يركز وزير مالية حكومة محافظة على السوق الداخلية، بإجراءات عادة ما تتخذها حكومات اشتراكية، كدعم يقارب ملياري جنيه لقطاع المسارح والفنون؛ لكنها اشتراكية الاقتصاد لا السياسة المؤدلجة.
مثلاً تجميد تمغة شراء العقار لمدة عام لصفقات تصل إلى نصف مليون جنيه للعقار، مما يخفض تكاليف الشراء ما بين 4500 جنيه للسكن و30 ألف جنيه، العقار الاستثماري للإيجار. المعارضة ومعلقو اليسار ينتقدون القرار، فالتخفيض يفيد سوق شراء الموسرين في لندن والجنوب؛ حيث ثمن شقة صغيرة يفوق ثمن بيت من ثلاثة أدوار في مناطق الشمال الصناعي. سوق العقار يوفر 514 ألف وظيفة في 113 ألفاً و200 مؤسسة وشركة ووكالة، وساهم بـ68 ملياراً وثلاثة ملايين جنيه في الاقتصاد في عام 2019.
تحريك سوق العقار يعني توظيف مزيد من عمال البناء والديكور، وشراء أثاث ومعدات، وتوفير فرص للعاملين في قطاع النقل تدفع أجورهم من توفير نفقات الشراء، أما عقارات الاستثمار فتساعد في حل أزمة الإسكان.
المشكلة التي تواجه وزارة المالية والاقتصاد أنه بعكس ألمانيا أو الصين، اقتصاد بريطانيا - باستثناء ثلاثة مليارات و200 مليون جنيه قيمة صادرات الصناعات الإلكترونية والتكنولوجيا المتقدمة - تحول في ربع قرن إلى اقتصاد استهلاكي، قوامه السوق الداخلية والخدمات والبنوك والبورصة، وأغلبية قطاعات هذه الخدمات والمال مملوكة لمؤسسات غير بريطانية. جذب الاستثمارات الخارجية مرغوب؛ لكن نقطة ضعف هذه السوق التي أظهرها وباء «كورونا»، أنه من دون تنشيط السوق الداخلية ستهرب الاستثمارات إلى أسواق أجنبية أكثر ربحية. وهو ما يفسر دفع وزارة المالية الحكومة لرفع الحظر عن فتح الحانات، ويفوق عددها 600 ألف؛ فصناعة المشروبات واستهلاكها في الحانات وأماكن التسلية واللهو، يساهم بـ23 مليار جنيه في الاقتصاد، ويوفر 207 آلاف وظيفة مباشرة. أرقام الأسبوع الأول من نشاطها كانت دون خُمس عدد زبائن الفترة نفسها في 2019، لقلة الزبائن نتيجة مسافة التباعد، وتناقص طلب الطعام مع المشروبات؛ فخشية العدوى جعلت الأسر تحجم عن تناول وجبات نهاية الأسبوع في الحانة المحلية كإجازة لربة البيت. الأرقام أسوأ بالنسبة لتلك الملحقة بالفنادق، وهو قطاع ساهم بـ20 مليار جنيه في الاقتصاد العام الماضي. أسرع وزير المالية بتخفيض ضريبة القيمة المضافة على فاتورة الوجبات، من 20 في المائة إلى 5 في المائة في الحانات والفنادق والمطاعم، والأخيرة ساهمت بـ40 مليار جنيه في الاقتصاد في 2019، التي أنفق البريطانيون خلالها 92 مليار جنيه على الوجبات خارج المنزل، حصلت مصلحة الضرائب منها تسعة مليارات جنيه.
تنشيط هذه القطاعات يتطلب الخروج من البيت، والاتجاه لنشاطات معتادة أغلقتها إجراءات منع العدوي. الحكومة قررت فتح صالات الرياضة الـ3149، التي تساهم بأربعة مليارات و400 مليون جنيه سنوياً في الاقتصاد، وحمامات السباحة الـ4559، التي تساهم بملياري جنيه ابتداءً من 25 الشهر الجاري. وكان السماح أيضاً للحلاقين والكوافيرات الحريمي (والشكوى من استمرار حظر معالجات التجميل النسائية الإضافية) فبجانب مساعدة المقاهي من زائري الصالونات، فالقطاع يساهم بستة مليارات و600 ألف جنيه في الاقتصاد، ويوفر 370 ألف فرصة عمل.
خطوات اتخذت على سبيل المثال لا الحصر، كنموذج نسوقه للمهتمين من القراء في البلدان العربية والأفريقية، لخطوات إيجابية بتدخل الحكومة بإجراءات اقتصادية وتعديلات ضرائبية، هدفها مماثل لأهداف البرامج الاشتراكية؛ لكنها تدار بالعقلية الرأسمالية لحرية السوق، لا بآيديولوجية مصادرة وسائل الإنتاج والثروات، وتحويل غالبية القوى العاملة إلى موظفين في القطاع العام. فالدولة في اقتصاد السوق المفتوحة لا تنشئ صناعات لتوظيف المواطنين، وإنما تخلق بيئة مالية اقتصادية ضرائبية، تساعد المستثمر الداخلي والأجنبي على توفير الوظائف.
تخفيض الضرائب يحرم الخزانة من الدخل في الأشهر الأولى؛ لكن الدخل سيتضاعف على المدى الطويل؛ لأن ما يوفره المواطن من تخفيض الضرائب سينفقه في أوجه أخرى تروج الاقتصاد، وتعوضها ضرائب من زيادة أرباح المنشآت التجارية، وضرائب دخول العاملين في وظائف جديدة خلقتها استثمارات إضافية.
أما البلدان التي تتحجج بقلة الإمكانيات وضعف اقتصادها، بسبب الاستعمار، فنهديها مبادرة من المستعمرة السابقة باربادوس؛ أصغر بلدان الكومنولث، ورأس الدولة فيها الملكة إليزابيث الثانية، عدد سكانها دون 290 ألفاً، واقتصادها أكثر قليلاً من خمسة مليارات دولار، تعتمد 40 في المائة منه على السياحة التي تواجه الإفلاس بسبب وباء «كوفيد- 19». رئيسة وزرائها، ميا أمور موتولي، وجهت دعوة إلى ملايين في أوروبا وأميركا دفعهم الوباء إلى العمل من منازلهم عبر الإنترنت، في كقطاعات كالمحاسبة وإدارة الأعمال والتصميم والنشر والتعليم. باربادوس ستمنح إقامة مخفضة المصاريف لـ12 شهراً لهذا النوع من العاملين، وتضمن إنترنت عالية السرعة، وخدمات مساعدة رخيصة، كالسكرتارية المكتبية المدعومة من الحكومة، ومدارس لأطفال الأسرة، وخدمات صحية، وفيزا الدخول بثلاثة آلاف دولار للأسرة كلها. الشرط الوحيد اختبارات صحية للتأكد من الخلو من حمل فيروس «كورونا».
نترك للقارئ حساب استجابة واحد في الألف فقط من هؤلاء المستهدفين من المبادرة، وتأثيرها الإيجابي على اقتصاد بلد عدد سكانه نصف سكان مصيف مرسى مطروح المصري.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة