السر في المحرك

السر في المحرك

الاثنين - 16 صفر 1436 هـ - 08 ديسمبر 2014 مـ رقم العدد [13159]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

جئت لندن زائرًا المرة الأولى عام 1972. عندما حلَّت عطلة الأسبوع، لم نجد مطعمًا يفتح أبوابه إلا بعض المطاعم التركية واليونانية. المخازن الكبرى تغلق. فنادق الدرجة الأولى شبه فارغة. سيارات التاكسي عتيقة، يعوض عنها تهذيب السائق، لورد السواقين حول العالم وأهم مقدمة إلى لندن عبر العقود.
عندما جئنا لندن للإقامة بعد ست سنوات، كانت لا تزال بلا مطاعم في عطلة الأسبوع. كان مكتبي وسط البلد، حيث كانت الشوارع تغلق بعد السادسة، وتصبح المناطق قفرًا وخوفًا ومشردين، لا يملكون سوى الأرصفة أسرّة ومنازل. لكن يومها قال لي سائق تاكسي جملة لا أنساها. قال: لا تغرَّنك مظاهر هذه الأزمة. نحن شعب يعمل كفريق. لقد هزمنا هتلر كفريق، لا كأفراد. تعمل لندن الآن ليل نهار. وفي العطلة الأسبوعية تكتظ المخازن. ولن تجد مقعدًا في مطعم من مطاعم العالم التي انضمت إليها البيرو. ووسط المدينة المقفر في الليالي، صار من أغلى بقاع الأرض، لا يقوى عليه المشردون ولا الموسرون.
السرّ؟ تعرفه من سيارتك. يوم كان لديك سيارة قديمة محركها صدئ، كانت دائمًا تتوقف بك عند طلعة برمانا، وتُرسل الدخان وتُهدد بالاحتراق. السرّ في المحرك. رمت مارغريت ثاتشر المحرك القديم في مكب السيارات العمالية الخرقاء، وصارت بريطانيا تعمل بمحرك حديث، وعاد البريطانيون يعملون كفريق، وليس كحزب. وحدها ألمانيا أنجيلا ميركل تتقدم بريطانيا الثاتشرية. التلميذة تفوقت على الأستاذة، كما في حالات كثيرة. من كان أستاذ نزار قباني في الأدب العربي؟ من هو أستاذ زها حديد في الهندسة؟ ومن هو مدرّس بيل غيتس في البرمجيات؟
العلم يؤسس والنبوغ يحلِّق. ابنة بقال فنشلي قررت أن تعيد بلادها إلى عصر الملكة فيكتوريا، وأن تحجِّم جميع من حولها من الرجال. وهذه المستشارة القادمة من فقر برلين الشرقية تبدو جميع الأسماء من حولها باهتة بلا ذكر أو أثر. قبلها كان لزامًا على العالم أن يعرف من هو وزير الاقتصاد في هذه الآلة الألمانية العجيبة.
ذلك هو السر، المحرِّك. الفكر الحديث. الخروج من عقم الكسل وشلل الخمول. يحرك بريطانيا اليوم فريق لا نعرف أسماء أعضائه، لكنه أعادها دولة كبرى تفاخر بموقعها في صف المنتجين والمبدعين. العمال أيضا خرجوا من عقلية الاتكال واقتصاد ما بعد الحرب. صارت الفروقات بين الأحزاب مجرد فرق في المساحيق. وبدأت الفاشية العنصرية تطل بوجهها من جديد. وقال محامٍ بريطاني إن المنطقة التي يعيش فيها (شرق لندن) منقسمة ما بين الأوردو والإنجليزية. 90 في المائة من السكان لا يتكلمون الإنجليزية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة