رأي في جدل قائم

رأي في جدل قائم

الأربعاء - 17 ذو القعدة 1441 هـ - 08 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15198]
حمد الماجد
استاذ في جامعة الإمام بالرّياض، وعضو الجمعيّة الوطنيّة لحقوق الإنسان وعضو مجلس إدارة مركز الملك عبدالله العالمي لحوار الأديان والحضارات - فيينا

يثور جدل ساخن في العالمين الإسلامي والمسيحي حول عزم الحكومة التركية على إعادة صفة مسجد إلى متحف آيا صوفيا، وكان مسجد آيا صوفيا كاتدرائية قبل 1500 سنة، بل هي الكاتدرائية الأبرز في العالم المسيحي، ثم تحولت في القرن الخامس عشر في عهد السلطان محمد الفاتح إلى مسجد، ثم حولها أتاتورك إلى متحف. اللافت في الجدل القائم، وهو الذي يهمنا هنا، أن أحداً لم يكترث بالوقائع التاريخية في كيفية تحول كاتدرائية آيا صوفيا رمز الديانة الأرثوذكسية إلى مسجد، وهل تم التحول برضا الطرف المسيحي؟ أم مورست عليهم ضغوط أجبرتهم على التنازل؟ كل هذا لم يعد مجال بحث، وكل ما صدر من عدد من الدول المسيحية - حكوماتها ومراجعها الكنسية - هو الرفض الصريح لتحويل المتحف إلى مسجد مرة أخرى، وهنا مربط فرس هذا المقال.
قبل نحو خمس سنوات كنت في زيارة عمل لمقدونيا البلقانية التي لا يتجاوز عدد سكانها المليونين، ثلثهم مسلمون ألبان، على مساحة تقارب مساحة البحرين، وقد لفت انتباهي كلام المرشد السياحي عن أكبر كنيسة في المدينة العتيقة «أوخريت»، وكيف أن العثمانيين حولوا هذه الكنيسة «الرمز» إلى مسجد المدينة الرئيس بعد أن غيروا معالم الكنيسة، واستمرت مسجداً قرابة أربعمائة عام حتى تضعضع الحكم العثماني أمام جحافل الصرب الذين دمروا المسجد، وأقاموا مكانه كنيسة كبيرة لا يزال كل شبر فيها يعبق بتاريخ مثير من الصراع الخطير بين أتباع ملتين واسعتي الانتشار.
تحويل هذه الكنيسة إلى مسجد ثم تحويل المسجد إلى كنيسة، وما صاحب هذه التحولات من تدمير متبادل، ترك ندوباً في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في مقدونيا إلى يومنا هذا، ثم الجدل الدائر الآن حول تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد مرة أخرى يقود بالضرورة إلى ظاهرة تحويل الكنائس إلى مساجد، خاصة في دول أوروبا والأميركتين. هل من المصلحة على المديين القريب والبعيد تحويل الكنيسة أو المعبد اليهودي إلى مسجد؟ الجواب البدهي، أنه ما دام الإجراء في إطار القوانين المعمول بها في الدول الغربية، وتمت إجراءات البيع بالتراضي، فما الذي يمنع؟ وأين المشكلة؟
وفي تقديري، أن قانونية إجراءات تحويل الكنائس أو غيرها من المعابد إلى مساجد والتراضي بهذا التحويل، لا يضمن مطلقاً ألا تكون ألغاماً قابلة للانفجار في المستقبل القريب أو البعيد.
وهذا هو ما يجب أن يُحَذَّر منه، فقد رأينا ذلك ماثلاً للعيان في الحرب الشرسة بين مسلمي البوسنة والصرب، وكلتا الطائفتين لم تكن لهما قبل الحرب علاقة حقيقية بديانتهما، ومع ذلك فإن الحرب استفزت المارد الكامن.
هذا التعلق المغروز في الأنفس لا يتحرك إلا بالاستفزاز الذي لا يمكن أن يكبح أحد جماحه، ولا أشك أن تحويل الكنائس إلى مساجد، سيتحول إلى «ألغام» قابلة للانفجار طال الزمن أو قصر، ولنا عبرة في الصراع المؤسف حول المسجد البابري الهندي، وهذه الأيام حول مسجد آيا صوفيا التركي، ومسجد قرطبة الأندلسي، والأفضل للجاليات المسلمة إنشاء مساجدهم ومراكزهم على أراضٍ بيضاء لا تحمل بعداً دينياً، أو تحويل بنايات عامة إلى مساجد. و«باب يجيك منه ريح التعصب العاتية سده واستريح».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة