هل سترضخ «فيسبوك»؟

هل سترضخ «فيسبوك»؟

السبت - 13 ذو القعدة 1441 هـ - 04 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15194]

لقد أدى الغضب العام بشأن السياسات الخاصة بمحتوى منصات شركة «فيسبوك» إلى اتخاذ بعض كبار المعلنين بعض الإجراءات العقابية، حيث تعهدت شركات أميركية مثل «ستارباكس» و«يونيليفر» و«كوكاكولا» و«فيرايزون» بسحب الإعلانات من منصتي «فيسبوك» و«إنستغرام» التابعتين لشركة التواصل الاجتماعي العملاقة «فيسبوك»، وذلك على الأقل خلال شهر يوليو (تموز)، وقد كان الدافع وراء هذه الخطوة في البداية حملة بقيادة تحالف من جماعات الحقوق المدنية، بما في ذلك رابطة مكافحة التشهير والجمعية الوطنية للنهوض بالملونين، وذلك لإجبار «فيسبوك» على القيام بمزيد من العمل للحد من خطاب الكراهية واللغة التي تعزز العنف، ومع اكتساب هذه الجهود زخماً، بات عدد المنضمين إلى المقاطعة يزداد بشكل يومي، كما أعلنت شركة «بيست باي» الأميركية أنها ستوقف إنفاقها الإعلاني على «فيسبوك» بشكل مؤقت، كما قامت شركة «مايكروسوفت» بتعليق إعلاناتها على منصات الشركة أيضاً.
وقد تعرضت شركة «فيسبوك» للنقد من قبل حول ممارساتها، ولكنها تجاوزت الأزمة إلى حد كبير من خلال التخلص من الدعاية السلبية مع تقديم بعض الإصلاحات التدريجية، وعلى سبيل المثال، فقد نجت الشركة من فضيحة «كمبردج أناليتيكا» لخصوصية البيانات قبل بضع سنوات، وذلك دون حدوث تداعيات خطيرة طويلة المدى، وقد يميل مؤسس الشركة، مارك زوكربيرغ، للخضوع هذه المرة أيضاً، وهو ما سيكون أمراً منطقياً بالنظر لوضع الشركة المالي قصير الأجل، فوفقاً لبيانات شركة التحليلات الإعلانية «باثماتيكس»، فإن أكبر 50 معلناً على «فيسبوك» شكلوا 4 في المائة فقط من مبيعات الشركة العام الماضي، فيما تأتي الغالبية العظمى لبقية المبيعات من ملايين الشركات الصغيرة والمتوسطة الأقل تأثراً بأي فضائح من قبل النشطاء، حيث تعتمد هذه الشركات على إعلاناتها على «فيسبوك» و«إنستغرام» لتحقيق الانتشار، إلا أن اتخاذ الشركة لقرارات تعتمد فقط على الدولارات سيكون بمثابة قصر نظر، وأمراً سيئاً للغاية لأعمالها التجارية.
وقد أصبح من الواضح أن الموجة الأخيرة من الاحتجاجات على التمييز العنصري ليست مجرد ظاهرة قصيرة الأجل، ولكنها ظاهرة تعكس تغيراً كبيراً في الإدراك والمعتقدات يطالب بإحداث تغيير في السلوك، مثل حركة #MeToo التي ظهرت من قبل، ومن المرجح أن تتحرك ردة الفعل العنيفة التي بدأت على المستوى الشعبي وانتقلت للشركات إلى المجال السياسي والتنظيمي أيضاً، ولذا، ألن يكون من الأفضل لشركة «فيسبوك» أن تخضع وتجري تغييرات مجدية في سياساتها بدلاً من أن يتم إجبارها فيما بعد على قبول مزيد من الإجراءات العقابية التي تحمل مزيداً من الضرر المحتمل لسمعتها وأعمالها؟
وتواجه «فيسبوك» بالفعل تدقيقاً تنظيمياً متزايداً في الولايات المتحدة، وقد قدم السياسيون الأميركيون من كلا الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) مقترحات لإصلاح المادة 230 من قانون آداب الاتصالات، الذي يحمي شركات الإنترنت من المسؤولية القانونية على المحتوى الذي يكتبه المستخدم، وفي الوقت الحالي، يركز الجمهوريون ووزارة العدل الأميركية على قضايا الرقابة على الكلام، بينما طالب الديمقراطيون بحذف المعلومات الخاطئة والمزاعم الكاذبة بشكل أسرع داخل الإعلانات السياسية، ومن المرجح أنه لن يحدث شيء في الكونغرس خاص بهذه القضية قبل انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الرئاسية، ومع ذلك، فإنه في حال سيطر أحد الحزبين على الكونغرس ومجلس الشيوخ والبيت الأبيض في العام المقبل، فإن احتمالية حدوث تنظيم لهذه الأمور ستزيد بشكل كبير.
وقد يكون الخطر الذي قد تواجهه «فيسبوك»، على المدى القريب، من أوروبا أكبر من الولايات المتحدة، حيث حددت سلطات القارة مكافحة الاحتكار باعتبارها طريقة أكثر فاعلية عن فرض اللوائح التنظيمية لمعالجة أوجه القصور في وادي السيليكون، وقد تم الكشف عن حدود هذه اللوائح من خلال اللائحة العامة لحماية البيانات والتي ظهرت منذ عامين، حيث لم تفعل هذه اللوائح سوى القليل لتغيير ممارسات العمل في «غوغل» أو «فيسبوك»، أو لتقليل قوتهما السوقية، إلا أن المناقشات حول البيانات أو المحتوى دائماً ما تتعلق باللوائح، وليس بمكافحة الاحتكار.
هناك حاجة إلى فرض تغييرات جدية بما في ذلك أن تكون الشركة أكثر فاعلية في التخلص من خطاب الكراهية بشكل سريع ووقف الادعاءات الكاذبة والتضليل من قبل جميع المستخدمين، وهي التحركات التي ستساعد الشركة في المضي قدماً في تنفيذ الإجراءات التي تتخذها الهيئات التنظيمية في المستقبل، كما أنه سيكون بمثابة تصرف حكيم، لأن اللوائح الحكومية ستكون على الأرجح أكثر عقابية، سواء كانت من الاتحاد الأوروبي أو من أي إدارة أميركية جديدة محتملة. فببساطة، لم يعد نهج التجاهل وعدم الاكتراث الذي كانت تتبعه «فيسبوك» بشكل روتيني مناسباً الآن، وقد حان الوقت لزوكربيرغ لإظهار بعض القيادة الحقيقية.


* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة