للعرب في إسرائيل عبرة!

للعرب في إسرائيل عبرة!

الأربعاء - 3 ذو القعدة 1441 هـ - 24 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15184]
حمد الماجد
استاذ في جامعة الإمام بالرّياض، وعضو الجمعيّة الوطنيّة لحقوق الإنسان وعضو مجلس إدارة مركز الملك عبدالله العالمي لحوار الأديان والحضارات - فيينا

التجاذبات والمنازلات بين التوجهات الفكرية والسياسية والطائفية والمذهبية في العالم العربي وصلت إلى حد السخونة الشديدة، ولسنا بِدْعَاً من دول الأعاجم في كوكبنا من أقصاه إلى أقصاه، فكل يشتكي من زمانه ويولول ويحوقل، لكن الذي يختلف عنه بنو يعرب هو في عملية الإقصاء الشديد المتبادل والتنابز بالتخوين والإخراج المتبادل من الملة والنحلة.
لكن هناك من يقول إن سخونة التجاذبات الحزبية والفكرية في عالم العرب جاءت رجع صدى لسخونة الأحوال السياسية والعسكرية، منذ موت «الرجل المريض»، الدولة العثمانية، وما تلاه من تداعي الأمم الغربية على القصعة العربية كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، ثم نشوء حركات التحرر من الاستعمار، ثم ميلاد الانقلابات العسكرية ثم تكاثرها وتوالدها، ثم ميلاد الأحزاب المؤدلجة التي يزعم كل واحد منها أنها «الوصي» على حركة الإحياء والنهضة واليقظة واستعادة الأمة العربية لأمجادها، إلى منازلاتها مع الخصم المتربص وراء البوابة الشرقية، ثم تحويل فوهة المدافع نحو الجار الصغير، الكويت، واحتلاله لتأسيس الوحدة العربية بالسنان لا بالبنان، ثم اندلاع نيران الحراك الجماهيري العربي الذي سماه الغربيون «الربيع العربي» الذي تحول كالبركان يخمد ثم يثور... كل هذا الغليان لا بد أن تكون مخرجاته شرراً يتطاير بين الأحزاب السياسية والتوجهات الفكرية، ولكن هل هذا الصفيح الساخن للأوضاع العربية يبرر السخونة العربية الشديدة في الخصومة والإقصاء المتبادل وتهم التخوين والارتهان للأعداء والمتربصين؟
في تقديري أن الجواب لا، بل لا أتجاوز الحقيقة إذا قلت إن العكس هو الصحيح، إذ إن من لازم سخونة الأوضاع بل وحتى تفجرها في بعض الدول العربية يجب أن يكون باعثاً على رص الصفوف وتوجيه السهام نحو الأعداء الصريحين وإلى كل المهددات، وليس الانشغال بالصراعات البينية الفئوية والحزبية والآيديولوجية والطائفية، ولنا في إسرائيل عبرة وخبرة، فإذا أخذنا مسوغات العالم العربي في الأخذ بالإقصاء والكبت ومناوءة الرأي الآخر، وخفض سقف الحريات والتخوين عطفاً على ما تمر به الأمة العربية من أوضاع استثنائية وأحوال صعبة ومنعطفات تاريخية، فكل مبررات هذا الكبت والقمع والإقصاء موجودة في كينونة إسرائيل من باب أولى، فالتطبيع مع الشعوب العربية بات عصياً عن القبول والهضم، والمهددات مع ضعف العرب وفرقتهم موجودة، وهذا ما يكرره رموز إسرائيل ومفكروها وقادة الرأي فيها وينذرون به ويحذرون منه، ولدى إسرائيل الخريطة العربية السياسية والآيديولوجية والمذهبية والطائفية نفسها بصراعاتها المحمومة وتنافساتها الساخنة، التي وصلت لدرجة أن فئة من المتشددين اليهود يرون أن قيام دولة إسرائيل بدعة، ومع ذلك تعايشوا بطريقة مذهلة بدون تخوين ولا إقصاء، وجعلوا الفيصل في إثبات الحضور والتأثير في صناديق الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة