إهانات قلبت الموازين

إهانات قلبت الموازين

الأربعاء - 26 شوال 1441 هـ - 17 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15177]

يُروى أن مالك شركة تصنيع السيارات الهندية، رتان تاتا، قد قرر عام 1998 تصنيع أول سيارات ركاب هندية عصرية (إندبيكا)، بعد نجاح شاحناته. ثم صدم بتراجع المبيعات بصورة كبيرة، فقرر بيعها. أبدت «فورد» الأميركية رغبتها في الشراء. سافر تاتا وفريقه إلى أميركا، وفي خضم الاجتماع الذي استمر لنحو ثلاث ساعات، قال رئيس الشركة بيل فورد، للهندي تاتا، «أنت لا تعلم أي شيء! لماذا قمت أصلاً بإنشاء قسم لسيارات الركاب؟ نحن نقدم لك معروفاً بشرائنا لمصنع سياراتك»! فاعتبرها المالك الهندي إهانة بالغة له أمام فريقه، الأمر الذي جعله يغادر الاجتماع على أثرها، حيث قرر في الليلة نفسها، وهو عائد إلى مومباي، أنه لن يبيع حلمه (شركته). ثم عكف على تطوير هذه العلامة التجارية الهندية حتى صارت عام 2008 أفضل السيارات مبيعاً في السوق، وذلك بعد عشرة أعوام على الاجتماع «المهين». وفي الوقت نفسه كانت «فورد» تعاني من خسائر كبيرة بسبب سياراتي «جاكوار» و«رينج روفر» اللتين تمتلكهما أيضاً «فورد». فقدم تاتا عرضاً لشراء السيارتين الفارهتين. هذه المرة سافر بيل فورد نفسه إلى مومباي الهندية، وقال في أثناء الاجتماع لتاتا: «أنت تقدم لنا معروفاً بشراء هاتين السيارتين! شكراً لك». كان أمام تاتا خيار أن «يرد الصاع صاعين» بإهانة فورد، لكنه اختار أن يتسامى على ذلك الموقف.
ويروي التاريخ أيضاً إهانة شهيرة شعرت بها روزا باركس الأميركية من أصول أفريقية، عندما رفضت طلب سائق حافلة، عام 1955، التخلي عن مقعدها في الجزء المخصص للركاب «الملونين»، كما كانوا يسمونهم آنذاك، وذلك لأن راكباً أبيض لم يجد له مقعداً في القسم المخصص لذوي البشرة البيضاء! فبدأت المواجهة، ثم تم اعتقالها، وثارت ثائرة الناس، لتتحول روزا إلى أيقونة عالمية لمحاربة قوانين الفصل العنصري.
وحدث أيضاً أن رفض أربعة شبان القيام من مقاعدهم عام 1960 في كافتيريا تناول الغداء في شركة «وولورث» في «غرينز بورو» بولاية كارولينا الشمالية، وذلك بسبب أن النادل رفض تقديم وجبة طعام لمواطنين «من ذوي البشرة السوداء»!! فأصروا على البقاء باعتبارها أيضاً إساءة لهم، ثم كبرت القضية، وانتشرت «حركة غرينز بورو» في ولايات عدة كنوع من رد الاعتبار والاحتجاج.
نجم الملاكمة محمد علي كلاي أيضاً يروي قصة إهانته بعد أن صار بطل العالم، وأذهل الجميع. فقد قرر تناول وجبة في مطعم، لكنه فوجئ برفض الناس خدمته بسبب لونه. حاول مراراً في أماكن عدة حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، هنا قال بأن هذه أحد الأسباب التي دفعته لاعتناق دين الإسلام. وكذلك صدمت ممثلة فيلم «ذهب مع الريح»، عندما فازت بجائزة «أوسكار»، لكنها بسبب لون بشرتها خصص لها مقعد في آخر القاعة!
غير أن محمد علي كلاي لا يعلم أن العالم كله مليء بالصدمات والإهانات غير المتوقعة، فمن كان يتوقع أن التونسي البوعزيزي الذي صفعته شرطية سيحرق نفسه قهراً، ليشعل فتيل الثورات، فيما يسمى بـ«الربيع العربي».
والإهانة تأتي بدرجات متفاوتة، لكنها تبقى جرحاً غائراً في وجدان المرء. وقصة تلك الشابة الكويتية الفتية مثال آخر. فهي أيضاً اعتبرت اللائحة التي تحدد للإناث معدلاً دراسياً أكبر من الذكور لقبولهن في جامعة الكويت الحكومية «إهانة» لقدراتها، وتمييزاً صارخاً لجنسها. فرفعت قضية على اعتبار أن القرار غير دستوري، وكسبتها في حكم فريد ألغى التمايز في معدلات القبول بين الجنسين. ودخلت التاريخ في تحقيق مكسب لنساء بلادها.
والبعض قد يعتبر قرار فصله من العمل إهانة، حتى ولو كان لطيفاً على الطريقة العربية بطلب تقديم الاستقالة طواعية. هنا يصبح أمام المرء خيار التشهير بالمؤسسة في وسائل الإعلام، أو يمشي بالنميمة، أو أن يحول هذا الموقف إلى نجاح يُشار إليه بالبنان، يجعل مديره يعض أصابع الندم على استغنائه عن خدماته. والنجاح أبلغ رد على الإهانة. وإذا كان النجاح نفسه هو ما يغيظ خصومنا، فالاستمرار فيه، بحد ذاته، انتصار بمعنى الكلمة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة