العنصرية والجاهلية العالمية

العنصرية والجاهلية العالمية

الأربعاء - 18 شوال 1441 هـ - 10 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15170]
حمد الماجد
استاذ في جامعة الإمام بالرّياض، وعضو الجمعيّة الوطنيّة لحقوق الإنسان وعضو مجلس إدارة مركز الملك عبدالله العالمي لحوار الأديان والحضارات - فيينا

وصف العنصرية بالجاهلية ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث مشهور، ورد فيه أن الصحابي أبا ذر سبَّ رجلاً وعيَّره بأمه، وكانت سمراء، فاشتكى إلى النبي فوبخ أبا ذر بعد أن تحقق من قولته، وقال له مقولته الشهيرة: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، وتقول بعض الروايات إن المسبوب هو بلال بن رباح.
هذه العنصرية الجاهلية العالمية فَجَّرت صديدَها ركبة رجل أبيض ضغطت بعنصرية كريهة على رقبة رجل أسود يستغيث لا لإطلاق سراحه، لكن ليمارس حقه في التنفس فقط. لقد تطور البشر تطوراً مذهلاً في جميع العلوم والتخصصات، وأرسوا من الأنظمة والقوانين ما تكفل حقوق الإنسان وحريته وممارساته بغض النظر عن لون بشرته ونوع عرقه وطبيعة معتقده وصنف آيديولوجيته، فارتفع مؤشر التحضر وبقي مؤشر العنصرية ثابتاً يكاد لا يختلف عن العصور المظلمة، بل لا أبالغ حين أقول بأن مؤشر العنصرية والتعصب والانحراف نحو التطرف العنصري والديني شهد ارتفاعاً منذ عقدين من الزمن، ولا أدل على ذلك من نجاح عدد من المنتمين إلى هذا التيار العنصري المتشدد في الوصول إلى البرلمانات الغربية وتولي عدد من الحقائب الوزارية فيه، بل إلى ترؤس عدد من الدول أو رئاسة وزرائها.
والمؤسف في هذا الشأن، أن المؤمل من وسائل التواصل الاجتماعي حين اكتسحت السوق الإعلامية العالمية، وصار كل فرد له منصة إعلامية هو فيها رئيس التحرير والمحرر والمدقق والرقيب، هو في مساهمتها في تجسير العلاقات بين البشر وتوثيقها، ومن ثم التضييق على العنصرية والتعصب والانغلاق والتشدد، لكن الذي حصل هو العكس، فقد أمست وسائل التواصل الاجتماعي مثل البنزين الذي صُبَّ على سخونة هذه الأوبئة العنصرية فزادت عدوى واشتعالاً، وصار الذي يكسر الحواجز ويفتخر بعرقه ولونه وقبيلته وفخذه وبلده وإقليمه ودولته، ويجعل غيره في أسفل سافلين، ويدعو إلى حرمان «الغير» من حقوقهم أو تهجيرهم أو إقفال أبواب هجرة المظلومين المطاردين، هو الأكثر شعبية وله تلهب الأكف تصفيقاً وتبح الحناجر تأييداً، وصارت حظوظه أكبر في الفوز بالانتخابات بدءاً بالبلدية مروراً بالبرلمانية حتى الرئاسية، بل الخطورة أن الأحزاب ووسائل الإعلام الأكثر انفتاحاً والأقل عنصرية بدأت في مغازلة الجماهير ذات النزعة العنصرية حتى تحظى بقضمة مشبعة من الكعكة الانتخابية.
إنك عالم فيك جاهلية؛ جاهلية طغت وسادت وبغت، فأصبحت تهدد السلم المحلي والإقليمي والدولي، هي حرائق عنصرية اندلعت في عدد من الدول التي تعتبر الأكثر تطوراً وتحضراً، وانتشار التنديد بها عالمياً مؤشر فطري تلقائي يحذر من خطرها الداهم وتسللها القائم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة