صحة العالم من صحة أميركا

صحة العالم من صحة أميركا

الاثنين - 16 شوال 1441 هـ - 08 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15168]

تصدر مقتل المواطن الأميركي من أصول أفريقية جورج فلويد في مينيابوليس العناوين الأولى ونشرات وافتتاحيات جميع وسائل الإعلام في العالم، ما يدل لمن ينقصه الدليل، على أن كل ما يحصل في الولايات المتحدة لا يزال يحتل صدارة الاهتمامات، سواء لدى الشغوفين بها أو مناهضيها وحتى الممعنين في كراهيتها. وعلى الرغم من أن هذا الحدث الأميركي ليس الأول من نوعه، ولن يكون للأسف الأخير، فإنه وقع في خضم حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية ووسط تجاذب سياسي حاد واستقطابات حزبية عالية التوتر، ويعقب مرحلة لافتة قوامها تراكم تداعيات حكم الرئيس السابق باراك أوباما التي بالمناسبة لم تجترح جديداً في المسألة العنصرية التي تنهش الجسد الأميركي، وما تبعها من ردة فعل لدى قاعدة اليمين الأميركي تمظهرت بوصول مرشح من خارج الطبقة التقليدية إلى سدّة الرئاسة هو دونالد ترمب.
وعلى الرغم من فظاعة مشهد قتل فلويد نتيجة سحق عنقه بركبة الشرطي الأبيض صاحب السجل المثقل وما يمثلّه من خطورة، فإن الحدث يحتمل عدداً من المقاربات والملاحظات، أبرزها أولاً المبالغة في رد فعل المعادين والمناهضين لأميركا حتى وصل بهم الأمر إلى وصف ما يجري بأنه نهاية «الإمبراطورية الأميركية»، متوقعين أن تغرق في حرب أهلية تُسقطها بضربة قاضية. وثانياً ردود فعل المؤيدين، لا سيّما أولئك المدافعين عن إدارة ترمب وتعاطيها مع قضايا داخلية وملفات خارجية.
ولعل هاتين المقاربتين تجسدان إلى حدّ كبير ما يحصل راهناً في الداخل الأميركي لجهة التجاذب الحاد الذي يشهده بين أقلية من الأميركيين متموضعة في موقع اليسار المتشدد، وفيه جنوح فوضوي يحاكي إلى حدّ ما مرحلة اليسار الأوروبي في الستينات وبداية السبعينات مع المطالب الراديكالية والطوباوية التي كان يحملها، ويمين متطرّف ومتعصّب قومياً وصاحب هوية متوترة وقلقة. يشترك الطرفان في سمة واحدة هي تنكرهما للقيم الأميركية التقليدية التي أرساها الآباء المؤسسون. وبين الطرفين، ثمة شريحة وسطية تشكل الأكثرية الغالبة ومنها الصامتة وهي لا تزال تؤمن بهذه القيم التي ميّزت أميركا عن غيرها من دول العالم قاطبة التي استطاعت أن تدفع مناهضيها وأعداءها إلى تقليدها في الوقت الذي يحاولون فيه الانقضاض عليها. وتتجلى هذه القيم في احترام حقوق الإنسان والحريات الفردية والقانون والمؤسسات وحكمها والفصل بين السلطات وتوازنها. وقد استطاع هذا الوسط الأميركي الأكثري أن يحافظ على تلك القيم وينقذ دولته ومجتمعه من موجات العنف والدمار والعنصرية والتقوقع، نذكر منها محطات أبرزها اضطرابات عام 1968 إثر مقتل مارتن لوثر كينغ الابن، وكذلك اغتيال رودني كينغ في لوس أنجليس عام 1992 واضطرابات فلوريدا عام 1996 وأحداث بالتيمور عام 2015 وأعمال الشغب في ميلووكي عام 2016، وغيرها.
وعليه، يبدو أنه من التسطيح والسذاجة الاعتقاد بأن انهيار أميركا وشيك كلّما وقع مثل هكذا حدث، على خطورته وفظاعته، إذ ثمة حقائق دامغة لا يمكن التغاضي عنها أو تجاهلها تجعل من الولايات المتحدة قادرة على التعافي ومداواة عللها ولو مرحلياً، وأن تبقى قوة عملاقة والأكثر جذباً للمهاجرين واللاجئين.
هذه الحقائق يمكن تلخيصها بأربعة أعمدة تعبر عن فرادة الولايات المتحدة؛ وهي: القضاء القوي والمستقل، وجامعاتها العريقة ومرافقها العلمية والطبية ومراكز الأبحاث فيها، ووسائل الإعلام الحرة والقوية والمستقلة التي كانت على مدى التاريخ الأميركي تمثل إحدى السلطات التي تهابها السلطات الرسمية كافة ولها تجارب مهمة في توجيه ومراقبة الحياة السياسية، وقطاع الأعمال الخاص وعماده الحرية الاقتصادية، ويشمل خصوصاً المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وصناعة الترفيه من سينما ومسرح وموسيقى، إضافة إلى كبريات شركات التكنولوجيا الحديثة التي تلعب اليوم دوراً أساسياً في ترقي حياة البشر وتواصلهم وتؤثر فيهم. هذه الأعمدة الأربعة هي في الواقع أهمّ وأقوى وأكثر فاعلية من أدوار السياسة والسياسيين في واشنطن، وهي التي تسمح بتجاوز مثل هذه الأحداث البغيضة والسقطات المعيبة.
والجدير ذكره أن المواقف المتضامنة مع ذوي البشرة الداكنة التي أعقبت هذا الحدث المقزز في مينيابوليس، تعد أصدق تعبير عن حقيقة مشاعر وقناعات الوسط الأميركي هذا، كما لفتة أفراد الشرطة الذين ركعوا أمام الجموع الغاضبة معتذرين عن حادثة مقتل فلويد وغيرها، إضافة إلى التبرعات الكثيفة التي خصصت للمتضررين وأبرزها مليار دولار من بنك أوف أميركا وحده، وهو أمر فريد في العالم. وتجلى هذا الوسط أيضاً عبر تصاريح كثيرة لقيادات أميركية تعاطت بوعي مع هذه الحادثة، ومنها موقف وزير الدفاع الأميركي مايكل إسبر الذي رفض دعم نشر «قوات عاملة من الجيش» لمواجهة الاضطرابات، في تباين واضح مع ما دعا إليه رئيس البلاد، ولعلّه موقف يعكس موقف المؤسسة العسكرية ويدل على التوازن في صناعة القرار، وفي تصريح رئيس الشرطة في هيوستن تكساس عندما قال: «إذا لم يكن لدى الرئيس ترمب موقف بناء عليه أن يلوذ بالصمت». وتبين كذلك أنّ إرث مارثن لوثر كينغ الابن ما زال حياً وقد تظهّر عبر تضامن البيض مع السود وطغى على ممارسات يمين عنصري مقيت ويسار متهور وطفولي.
كل ذلك يدل على أهمية المؤسسات في السياسة الأميركية الديمقراطية، وبالتالي، علينا ألا ننزلق إلى فخّ إبراز ما سعى بعض وسائل الإعلام والدول إلى إبرازه على الرغم من خطورته وبشاعته، إذ علينا الاعتراف بعوامل المناعة التي يتمتع بها الجسم الأميركي وقدرته على تجاوز مثل هذه الأحداث. وعلى هذا الأساس، تبقى العودة إلى القيم التي قامت عليها الولايات المتحدة المخارج الوحيدة لأزماتها، كما لفاعلية أدوارها في العالم التي لا تزال أغلبية الأميركيين الصامتين تتشبث بها وهي تقوم أيضاً على مبادئ ثلاثة:
المبدأ الأول يتمثل باستمداد القوة في الخارج من القوة في الداخل، بمعنى أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على لعب دورها في العلاقات الدولية كأعظم دولة ما لم تكن تتمتع باستقرار داخلي مستمد من القيم التي ذكرناها ومن الرفاهية الاقتصادية.
المبدأ الثاني يتمثل بالتمسك بفلسفة الحرية وبحقوق الإنسان والمؤسسات العادلة، على أن تعمل القيادات على ترسيخ هذه المعايير والحقوق في النظام الدولي وتكون البوصلة من أجل عالم أفضل.
المبدأ الثالث هو تناغم أميركا مع حلفائها وتوطيد العلاقات معهم لا سيما بين ضفتي الأطلسي والحلفاء الآخرين في آسيا كي تكون القوة الأميركية فاعلة. وخير دليل على ذلك أن العقوبات على إيران وغيرها كانت لتكون أكثر فاعلية لو كان هذا التناغم موجوداً، وبالتالي فإن مصلحة حلفائها، خصوصاً في منطقتنا، لا يمكن أن تتحقق من دون أن تتصالح الولايات المتحدة مع روحها وتبقى متمسكة بمثلها العليا التأسيسية.
وبانتظار ذلك يصح القول إن صحة العالم من صحة أميركا، بل يمكن حتى الاستعانة بمقولة صامويل هانتنغتون: «أميركا ليست كذبة. إنها خيبة أمل. لكنها يمكن أن تكون مجرد خيبة أمل لأنها أيضاً أمل».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة