الليلة التالية بعد «ألف ليلة وليلة»

الليلة التالية بعد «ألف ليلة وليلة»

الثلاثاء - 10 شوال 1441 هـ - 02 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15162]
داود الفرحان
كاتب عراقي

في عام 1931 انطلق من ولاية كاليفورنيا الأميركية يخت يحمل اسم «فاليرو الثالث» لاستكشاف خفايا وخبايا القارة القطبية الجنوبية. لم يكن هذا اليخت أول من وصل إلى هناك، فقد اكتشف تلك القارة المتجمدة المظلمة البعيدة الرحّالة الإنجليزي الشهير جيمس كوك في عام 1773. ولم تكن رحلته بالمعنى العلمي للاستكشافات، لأنه لم يقترب من قلب القارة التي تبلغ مساحتها ضعفي مساحة قارة أستراليا، وإنما رأى بعض الجزر منها فقط. وفي الواقع كَثـُر من زعموا أنهم اكتشفوا القارة الشهيرة باسم «أنتاركتيكا»، لكن الموسوعات العلمية تؤكد أن أول من هبط على هذه القارة الغامضة كان كابتن باخرة أميركية لصيد الفقمات، هو جون ديفيس، وذلك في عام 1821.
أعود إلى ما بدأت به المقال؛ يخت «فاليرو الثالث»، فبعد أن استخدمه جيمس كوك عدة سنوات، اشتراه حرس الحدود الأميركي، واستخدمه في سنوات الحرب العالمية الثانية. لكن المفاجأة أن الحكومة الملكية العراقية قررت في بداية الخمسينات من القرن الماضي شراء اليخت ونقله من الولايات المتحدة إلى بريطانيا، لإجراء تعديلات عليه وصيانته، ليتحول من يخت أبحاث وحروب إلى يخت ملكي يحمل اسم «الملكة عالية» والدة آخر ملوك العراق فيصل الثاني.
هنا أتوقف لأقول إن هناك روايتين عن هذا اليخت؛ الأولى هي الأضعف، وتتحدث عن مغادرة اليخت بريطانيا إلى تركيا عبر البحر الأبيض المتوسط، بقيادة كابتن بريطاني الجنسية، ورسا في إسطنبول لإقامة حفل خطوبة الملك فيصل الثاني من أميرة تركية، إلا أن ثورة 14 يوليو (تموز) 1958 قامت في العراق، وقُتل فيها الملك والأسرة الملكية كلها بوحشية يندم عليها أكثر العراقيين، بعد أن صار ما صار في العراق طوال العقود الستة الماضية، وظلّ اليخت راسياً في إسطنبول إلى أن تم تهريبه في عملية بوليسية عبر ميناء بورسعيد المصري إلى ميناء البصرة العراقي بعد قيام النظام الجمهوري.
أما الرواية الثانية الأكثر مصداقية فتؤكد أن اليخت استقبل في مياه البسفور الملك فيصل الثاني، وأقيمت على متنه حفلة الخطوبة، وهناك صور لأسرة الملك وأسرة الخطيبة الأميرة فاضلة بنت الأمير محمد علي وحيد الدين على متنه. وقد قاد اليخت، بعد هرب الكابتن البريطاني، القبطان العراقي المهندس صبري عريبي الخميسي، وهو من مواليد قلعة صالح في محافظة ميسان، جنوب العراق، وينتمي إلى الطائفة المندائية «الصابئة» وقد هاجر إلى كندا في أوائل الثمانينات من القرن الماضي مع عائلته.
المهم، وصل اليخت العراقي قبل سقوط النظام الملكي. ويذكر الأمير رعد بن زيد الذي شغل والده منصب وزير العراق المفوض في ألمانيا، خلال حكم الزعيم النازي أدولف هتلر، أن الملك فيصل الثاني قام في عام 1952 بزيارة رسمية إلى الكويت على متن يخت «الملكة عالية» الذي انطلق من شطّ العرب في البصرة إلى مدينة الكويت، مروراً بجزيرة «بوبيان». استغرقت الزيارة 5 أيام لبحث تعزيز العلاقات بين البلدين. وهذه الرواية هي الأصح من تلك الرواية البوليسية التي تنقصها الدلائل، فاليخت كان موجوداً في البصرة قبل قيام النظام الجمهوري. وقد زاره اللواء عبد الكريم قاسم أول رئيس وزراء بعد الثورة، وأمر بتغيير اسمه إلى «اليخت ثورة» وتحويله إلى فندق ممتاز لاستقبال الشخصيات البارزة التي تزور البصرة، ثاني أهم مدينة في العراق بعد بغداد العاصمة.
وقد أُتيحت لي زيارة اليخت في عام 1971 خلال مهرجان المربد الشعري الذي شاركت فيه مجموعة كبيرة من الشعراء العرب، بينهم نزار قباني، ومحمد مهدي الجواهري، وعبد الوهاب البياتي، والشاعر اليمني البصير عبد الله البردوني، رحمهم الله جميعاً. وتكريماً للوفود قام اليخت برحلة نهرية في شطّ العرب إلى الجهة المقابلة لمدينة المحمرة التي تحتلها إيران. وزرتُ اليخت مرة أخرى بدعوة من قبطانه الراحل محمد داغر خلال أسبوع العسل، قبل نصف قرن، حيثُ كنتُ أقيم في جزيرة السندباد على ساحل شطّ العرب. وظلّ اليخت مزاراً سياحياً طوال حكم الرئيس الراحل صدام حسين إلى أن تمّ إغراقه مع الأهداف الأولى في حرب احتلال العراق عام 2003. وما زال يرقد بسلام في أعماق شطّ العرب بكل مقتنياته التذكارية، وصور من زاره من الشخصيات السياسية، والفنانين، التي كانت معلقة على جدران صالة استقبال الضيوف، وبينهم الفنانة اللبنانية الراحلة صباح.
ويشاء القدر أن تُعاد قصة النحس الذي لاحق يخت «الملكة عالية» في يخت «نسيم البصرة» الذي أمر الرئيس الراحل صدام حسين ببنائه في حوض بناء السفن في الدنمارك خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات. لكنه وصل إلى البصرة عام 2010 بعد 7 سنوات من الاحتلال الأميركي. طول اليخت 82 متراً، ومجهز بأعلى مراتب الفخامة، وجرت محاولة لبيعه مقابل 30 مليون دولار، لكن لم يتقدم للشراء أحد، فتقرر أن يصبح فندقاً «لكبار ضيوف البصرة» وفي مقدمتهم قادة «الحشد الشعبي» وملالي طهران، تماماً مثلما حدث مع قصر «جنائن بابل المعلقة» في محافظة بابل الذي بناه صدام حسين تخليداً لإحدى عجائب الدنيا السبع، وهي الجنائن المعلقة التي بناها الملك البابلي الشهير نبوخذنصر، الذي حكم بين العامين 562 و605 قبل الميلاد، تكريماً لزوجته سميراميس. فقد احتلت القوات الأميركية القصر، ثم سلمته إلى حكومة نوري المالكي التي أعلنت أنه سيصبح فندقاً للعرسان الجدد، ثم تبين أنه صار منتجعاً لمحافظ بابل ومجلس المحافظة و«جنرالات الحشد والدمج» وأصحاب العمائم.
قصتان حزينتان من تاريخ العراق السياسي، تنضمان لحكايات السندباد البحري في «ألف ليلة وليلتين».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة