التمايز الطبقي في مواجهة «كورونا»

التمايز الطبقي في مواجهة «كورونا»

الجمعة - 29 شهر رمضان 1441 هـ - 22 مايو 2020 مـ رقم العدد [15151]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية

راجت في الأسابيع الأولى من انتشار فيروس «كورونا» بعض الأفكار التي انتبهت بشكل خاص إلى أن هذا الفيروس لا يفرق بين الغني والفقير، ولا بين القوي والضعيف، ولا بين صاحب الجاه وفاقده. وانتعشت أكثر هذه الأفكار عندما شاهد العالم كيف تعرض رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون للإصابة بالفيروس، وأيضاً رئيس البرازيل غايير بولسونارو، ورؤساء برلمانات، ورئيس وزراء روسيا، وإصابة الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا. أي أن تقع شخصيات تحمل وظائف عليا في الدولة ضحية فيروس «كورونا» أعطى انطباعاً أن هذا الفيروس لا يُقهر، وأنّه عادل ولا يجامل ولا يستهدف الفقراء من دون غيرهم. بل إنّ تصدر الولايات المتحدة، القوة الأولى في العالم، قائمة الدول الأكثر إصابة ووفاة بسبب فيروس «كورونا»، قد عمل على تأكيد ما راج من أفكار لعنت الفيروس، ولكنّها اعترفت بعدالته.
إنّ هذه الأفكار أو هذه الاستنتاجات هي نتاج صدمة وفهم سريع أولي، بدليل أن رواجها خفت وغاب تقريباً عند بداية تجاوز طور الصدمة وإطالة الملاحظة في التغييرات التي أحدثها الفيروس في حياتنا.
ولا نظن أننا نبالغ إذا قلنا إنّ تغير نمط الحياة وملازمة الناس لبيوتهم قد أطاح الأفكار الأولى المتسرعة، وكشف بشكل أكثر عمقاً ووضوحاً التمايز الطبقي في المجتمعات، وكيف أن عامل الانتماء الطبقي يؤثر في الحرب التي يشنها كل فرد وكل أسرة على «كورونا»، ذلك أننا لسنا متساوين في الترسانة التي نملكها في هذه الحرب، وهو ما جعل تأثير الجائحة يختلف من طبقة اجتماعية إلى أخرى. ومن ثم، فإن فكرتنا هي أن جائحة «كورونا» عمّقت التمايز الطبقي وكشفته. كما أن هذه الجائحة أخذتنا بالقوة إلى ملاحظة أشكال أخرى للفقر كانت من نوع المسكوت عنه، أو الذي كان يناقش تحت عنوان مختلف، مثل امتلاك الإنترنت في البيت وامتلاك التلاميذ والطلبة للحواسيب، حيث كان ذلك يطرح في إطار النظر في مدى شيوع استعمال تكنولوجيا الاتصال الحديثة، وليس كما طرحته الجائحة اليوم كمظهر فقر وخصاصة يمنعان كثيراً من الأطفال والشباب من التواصل البيداغوجي عن بعد.
فالتمايز الطبقي يعلن عن نفسه في أدّق التفاصيل، وأوّلها البيت الفضاء الخاص بالحجْر. فكما هو معلوم، فإن أغلب السياسات السكنيّة منذ عقود انخرطت بقوة في اعتماد أنموذج العمارات والشقق الصغيرة، إضافة إلى أن الفقراء يعيشون في الغالب في بيوت صغيرة، لا تتجاوز الغرفتين، مع كثرة عدد أفراد العائلة. أي لا وجود لثقافة الغرفة الخاصة بطفل أو بطالب، ولا تسمح المساحة والأثاث بمثل هذا التقسيم. وهو ما يعني أن التباعد الجسدي وهو شرط أساسي في الحجْر الصحي يحتاج تأمينه إلى بيت شاسع، وأن تكون لكل فرد غرفته، وهو أمر تعجز عن تأمينه طبقة الفقراء، وأيضاً الطبقة الوسطى، أو ما تسمى البرجوازية الصغيرة.
الجائحة مارست قهراً على الأطفال والشباب الفقراء، حيث إن الحجْر سجن حقيقي؛ لا إنترنت، ولا وسائل تواصل، ولا ألعاب إلكترونية من النوع الغالي الذي يمتلكه الأطفال المنتمون لعائلات غنية أو القادرة على شراء هذه الألعاب الباهظة الثمن، مثل البلاي ستيشن وغيرها. ولقد انتعشت سوق الألعاب الإلكترونية خلال فترة الحجْر الصحي، فكانت تعويضاً للأطفال عن النّوادي الرياضية والخروج... أما الأطفال الذين لا يستطيعون شراء هذه الألعاب فقد تمّ إقصاؤهم من اللعب الأكثر رواجاً في الحجْر الصحي. ونحن هنا أمام مظهر من مظاهر الحرمان الذي يحفر في نفسية الطفل.
أيضاً حال الأطفال الذين يدرسون في المدارس العموميّة يختلف عن حال أطفال المدارس الخاصة والمدارس الأجنبية، حيث تمارس المدارس الأجنبية والمدارس الخاصة التعليم عن بعد، ومن ثم فقد زاد فيروس «كورونا» في إظهار محدودية ديمقراطية التعليم، فالتعليم العمومي باستثناء المناظرات الوطنية أنهى السنة الدراسيّة مبكراً، واكتفى باحتساب «سداسيين»، في حين أن التلاميذ الذين يدرسون في المدارس الأجنبية والمدارس الخاصة يواصلون المقرّرات الدراسية ويعقدون مع الأساتذة لقاءات عبر تطبيقات متطورة وينجزون أعمالهم بانتظام.
لقد وجدت البلدان الفقيرة وذات الإمكانات الضعيفة نفسها مجبرة على عدم التعويل على حلّ التعليم عن بعد، لأن في اعتماده اعتداء صريحاً على مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم. فالظاهر العام يقول إن الجميع موصول بالإنترنت اليوم، والجميع لديهم هواتف ذكية، والحاسوب أصبح قطعة ضرورية لا تفارق الطالب مثلاً. لكن «كورونا» أظهر حقيقة الواقع، وأن نسبة غير الموصولين بالإنترنت كبيرة، وأن الحاسوب في بلداننا ذات التمايز الطبقي تجده عند طفل عمره 4 سنوات، ويفتقر إليه طالب في الكلية، تماماً كما تجد طفلاً يمتلك هاتفاً ذكياً بـ2000 دولار، وطالباً هاتفه لا يسمح له ذكاؤه بأكثر من إجراء مكالمات هاتفية.
لذلك، فإن التعليم عن بعد ليس في متناول الفقراء. وهو حلّ لمن يملك أدواته.
في تونس مثلاً كشف «كورونا» عن عدم إمكانية تبني حل التعليم عن بعد، والحال أن عدداً كبيراً من الطلبة لا يملكون في بيوتهم المحجورين فيها الإنترنت، ولا حواسيب شخصيّة، ودافعت النقابة عنهم، وأقرّت أن التعليم عن بعد لن يلغي التعليم الحضوري الذي سيستأنف في يونيو (حزيران) المقبل، وستعمل الجامعة في الصيف دفاعاً عن مبدأ تكافؤ الفرص.
بيت القصيد، أن «كورونا» أظهر بضوء كاشف الفجوة الطبقية في غالبية مجتمعاتنا، وقد ركّزنا على الأطفال والطلبة، لأنهم من الفئات التي نعتقد أن «كورونا» لا علاقة له بهم، وأنه يستهدف فئات الكهولة وما فوقها، والحال أنه استهدف نفسية الأطفال والشباب الفقراء، عبر إذكاء التمايز بينهم في الرّفاهية ومواجهة الجائحة، مقارنة بميسوري الحال. فمتغير الحالة الاقتصادية للأسرة يحدث فوارق مهمة جداً في قياس تداعيات «كورونا»، وتأثيرات الرفاهية الماديّة عامل محدّد في كيفية مواجهة الجائحة، التي قامت بتصحيح أنواع الفقر وإظهار حجم الفقراء الحقيقي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة