خلاف واختلاف ‏مع رضوان السيد

خلاف واختلاف ‏مع رضوان السيد

الأحد - 3 شهر رمضان 1441 هـ - 26 أبريل 2020 مـ رقم العدد [15125]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

يهيب أحمد ‏عدنان في ‏أخريات مقاله ‏بالجميع في العالم ‏العربي الاستعداد ‏لليوم التالي بعد ‏‏«كورونا»: «يوم ‏المخاضات الحادة ‏والمتضادة، وعلى ‏رأسها الإلحاد»!‏
إنه يخوّف (هنا) ‏الجموع العربية ‏ودولها من هذا ‏اليوم، وهو في ‏جزمه (على نحو ‏حتمي) بأن ‏المستقبل للإسلام ‏الصوفي، اتكأ أول ‏ما اتكأ على ‏نظرية إلحادية ‏عتيقة في بندها ‏الثاني، سماها ‏صاحبها فرويد ‏بالإذلال ‏البيولوجي!‏
وفرويد أساساً ‏يعتقد أن الدين ‏وَهْم لأناس لا ‏يزالون في مرحلة ‏الطفولة، وأنه ‏عصاب هجاسي ‏جماعي، ونوع من ‏المرض النفسي، ‏وعقدة أبوية. ‏وهو من ضمن ‏فلاسفة كانوا ‏يرون بروح متفائلة ‏أن المستقبل ‏للإلحاد، وليس ‏للإيمان الديني.‏
من الضروري أنْ ‏أوضح أنَّ اتكاء ‏أحمد عدنان على ‏فرويد لا يعدو أن ‏يكون حلية نظرية ‏لإضفاء صبغة ‏علمية، لتشهّيه ‏أن يسود الإسلام ‏الصوفي الحالة ‏الدينية، ويهيمن ‏عليها في العالم ‏العربي وفي العالم ‏الإسلامي، وإلا ‏فهو مؤمن إيمان ‏الدراويش. وهذا ‏ما تنطق به الرواية ‏الخارقة التي نقلها ‏في ختام مقاله ‏مصدقاً لها ومؤمناً ‏بها إيماناً عجائبياً.‏
ومن غير أن ‏ينيرنا؛ ما صلة ‏تلك الحلية ‏النظرية بوباء ‏‏«كورونا»، وما ‏صلة وباء ‏‏«كورونا» ‏بالصعود القريب ‏الحتمي للإسلام ‏الصوفي؟ أقفل ‏أحمد عدنان ‏الحديث عنها، ‏قائلاً: «إن أثر ‏الجرح النرجسي ‏الكوني يوازي أثر ‏اصطدام كويكب ‏بالكرة الأرضية، ‏فما جرى بعده ‏كان ثورياً ‏وانقلابياً بكل ‏معنى الكلمة. ‏صحيح أن ‏الإنسانية هضمت ‏هذه الجروح ‏واستوعبتها ثم ‏انطلقت بسرعة ‏الصواريخ في آفاق ‏العلم واكتشافاته ‏وإنجازاته، فضلاً ‏عن الثورات ‏القيمية الهائلة في ‏السياسة وفي ‏الأخلاق وفي ‏الفلسفة، لكن ‏الأثمان الحتمية ‏الإنسانية كانت ‏باهظة، ومن ‏صورها الحربان ‏العالميتان ‏وتداعياتهما».‏
الخطأ في هذه ‏‏«القفلة» أنه ‏أشرك البشرية في ‏تاريخ خاص، هو ‏تاريخ الغرب ‏وتاريخ العلمانية ‏فيه. فالغرب ‏وحده هو الذي ‏عاش العصور ‏التي أومأ إلى ‏بعضها، وإن لم ‏يسمها بأسمائها، ‏وتحدث عنها ‏بطريقة متداخلة ‏مشوشة.‏
أما أن الحربين ‏العالميتين أثر من ‏آثار العلمانية ‏وإحدى نتائجها، ‏وهو ما قاله ‏مداورة، فهو كلام ‏سمعته أول مرة من ‏بعض صحويينا ‏السعوديين في ‏منتصف ‏التسعينات، ‏وأظنهم تلقوه من ‏عبد الوهاب ‏المسيري مفكر ‏العلمانية عند ‏الإسلاميين ابتداء ‏من مطلع ‏التسعينات.‏
هذا الكلام ‏أساساً يقوله ‏المدافعون عن ‏هيمنة الكنيسة ‏على الدولة، وعن ‏سيطرة الدين على ‏المجال العام في ‏التاريخ الأوروبي ‏قبل نشأة الدولة ‏العلمانية الحديثة. ‏يقولونه رداً على ‏أن الدين أنشأ ‏عصر الحروب ‏الدينية المقدسة ‏بين المسيحيين، ‏وهي حروب دينية ‏متتابعة في أثناء ‏القرن السادس ‏عشر، وامتدَّت ‏إلى حرب الثلاثين ‏سنة خلال القرن ‏السابع عشر، بين ‏الكاثوليك ‏والبروتستانت، ‏مصدرها أيهما ‏من هو يمثل الدين ‏التمثيل الصحيح ‏والنقي والصافي.‏
في السردية ‏الإسلامية المحدثة ‏طوال القرن ‏الماضي في مجال ‏المقارنة بين ‏الإسلام ‏والمسيحية، وبين ‏تاريخ الإسلام ‏وتاريخ المسيحية ‏في الغرب، كان ‏ينعى على ‏المسيحية وعلى ‏تاريخها في الغرب، ‏تلك الحروب ‏الدينية، ويشنع ‏بها على أساس أنْ ‏ليس في الإسلام ‏وفي تاريخه شيء ‏مماثل لها. وفي ‏كتب الإسلاميين ‏الأساسية ‏والتأسيسية التي ‏موضوعها ‏المطارحة الدينية ‏النقدية مع ‏العلمانية الغربية، ‏المؤلفة في ‏سبعينات ‏وثمانينات القرن ‏الماضي، سواء ‏أكانت هذه ‏المطارحة في هذه ‏الكتب جزئية أو ‏كلية، لا توجد ‏إشارة إلى دور ‏العلمانية المزعوم ‏في التسبب ‏بالحربين العالميتين.‏
لكن أخيراً رأينا ‏في سنوات متأخرة ‏الإسلاميين ‏يستعملون تلك ‏المحاجة ‏الكاثوليكية - ‏البروتستانتية - ‏لعلمنة الدولة في ‏الغرب، وهم لا ‏يعلمون أنهم ‏باستعمال هذه ‏المحاجة، يدافعون ‏من غير قصد عن ‏عصر الحروب ‏الدينية المنبوذ في ‏أوروبا.‏
مقال رضوان ‏السيد «الدين ‏والجوائح وسحر ‏العالم»، لم يكن ‏متكأ أحمد عدنان ‏الثالث، بل هو ‏أكثر من ذلك؛ ‏فهو المحفّز له (لا ‏وباء «كورونا») ‏على أن يكتب ‏مقاله، «الإسلام ‏بعد كورونا»، ‏ويطلق فيه نبوءته ‏العلمية الحتمية ‏بأن الإسلام بعد ‏‏«كورونا» ‏سيكون الإسلام ‏الصوفي.‏
مهّد أحمد عدنان ‏للدخول إلى هذا ‏المتكأ بكلام غير ‏دقيق، وهو: ‏‏«اجتاحتنا كورونا ‏والإسلام ‏السياسي في ‏منتهى ضعفه، ‏والإسلام الرسمي ‏في أوج قوته، فهل ‏يستمر هذا ‏المشهد في ظلال ‏الجائحة؟»، ثم ‏دخل إلى متكئه، ‏قائلاً: «كتب ‏رضوان السيد ‏مقاله بعنوان ‏‏(الدين والجوائح ‏وسحر العالم)، ‏لَمّح فيه (من ‏دون أي تصريح) ‏إلى صعود ‏الإسلام الروحي ‏الصوفي مستقبلاً، ‏وهذه صورة ‏مشرقة تبعث ‏الأمل، لكن دونها ‏تحديات واقعية ‏ثقيلة، أو ربما ‏تسبقها عواصف ‏عاتية، تماماً كما ‏هبّت الأحداث ‏الجسام بعد ‏الجروح النرجسية ‏الكونية».‏
مقال رضوان ‏يستعيد شيئاً من ‏الجدل الديني ‏المسيحي الفلسفي ‏مع مفكري عصر ‏التنوير. وأصل ‏هذا الجدل ‏احتجاج عرفاني ‏ورومانسي على ‏المذهب العقلي ‏في هذا العصر. ‏وموضوع مقاله ‏محصور في أوروبا ‏وفي المسيحية ‏الغربية وفي الجدل ‏بين فلاسفتها ‏الدينيين ‏وفلاسفتها ‏العلمانيين حول ‏أصل الدين ‏وضرورته. وليس ‏فيه أي شيء عن ‏الإسلام ولا عن ‏صوفيته، وليس ‏فيه شيء حتى ‏عن الصوفية ‏المسيحية.‏
مناسبة استعادة ‏رضوان السيد ‏لذلك الجدل ‏واقعة حكاها في ‏السطور الأولى من ‏مقاله.‏
يقول عن هذه ‏الواقعة: ‏‏«اجتاحت العالم ‏كله، على وقع ‏انتشار وباء ‏‏(كورونا)، نهضة ‏دينية ما أتت ‏هذه المرة من ‏جانب رجال ‏الكنائس ‏والوعّاظ، بل من ‏عامة الناس، وقد ‏بلغ من ذعر ‏بعض ذوي ‏المراتب الكنسية ‏من تعبيرات الذين ‏سرت في صفوفهم ‏هذه الموجة أن ‏سموها: ‏fetishism، ‏أي أنها من صنف ‏البدائيات السابقة ‏على الديانات ‏الكبرى، مع أن ‏الرموز التي ‏استخدمتها ‏الجماهير في ‏استغاثتها من ‏الوباء تعبيرات ‏دينية. لقد ‏اندفعت العامة ‏حاملة رموزها ‏باتجاه الكنائس ‏التي أقفلت في ‏وجوههم بأوامر ‏من إدارات ‏الكنائس ‏والكاتدرائيات، ‏وبأوامر رسمية».‏
لقد بحثت في ‏التقارير الإخبارية ‏عن الواقعة التي ‏حكاها رضوان ‏السيد، ولم أجد ‏أي معلومة عنها. ‏وعجبتُ من أن ‏واقعة بهذه ‏الضخامة، وهي ‏أن نهضة دينية ‏اجتاحت ‏المجتمعات ‏المسيحية في العالم ‏كله، على وقع ‏انتشار وباء ‏‏«كورونا»، ومع ‏هذا لم تحظَ ‏بتغطية إعلامية ‏بمستوى ضخامتها ‏العالمية!‏
استعنتُ بصديق ‏ترجم لي بعض ‏النتائج من تقرير ‏‏«غالوب» ‏المنشور ‏بالإنجليزية، عن ‏ردود الفعل ‏الدينية المسيحية ‏على جائحة ‏‏«كورونا»، وهي، ‏كما يلي:‏
‏ - تقليص إن لم ‏يكن إيقاف ‏الشعائر كاملة في ‏مقراتها.‏
‏ - حسب ‏إحصاء ‏‏«غالوب» في ‏أميركا: 19 في ‏المائة قالوا إنها ‏زادت من إيمانهم، ‏و3 في المائة كان ‏رد فعلهم سلبياً ‏تجاه الدين.‏
‏- لم يرصد تقرير ‏‏«غالوب» ظاهرة ‏تديُّن جديدة، بل ‏رصد ردود فعل ‏فقط من المتدينين ‏أصلاً.‏
‏- حسب فرانك ‏نيوبرت في تقرير ‏‏«غالوب»، فإن ‏النتيجة ‏الدراماتيكية في ‏الدين، كانت ‏التحوّل المتسارع ‏من إقامة الشعائر ‏الدينية شخصياً، ‏إلى العبادة عبر ‏الإنترنت.‏
لما انتشرت ‏جائحة ‏‏«كورونا»، أقبل ‏المتدينون ‏الشعبيون للوذ ‏بالدين، وخاصة ‏أماكن العبادة ‏لصد هذه ‏الجائحة. وهذا ‏تصرف عادي ‏ومعتاد ومتوقع ‏منهم. وكان هناك ‏في المؤسسات ‏الدينية اضطراب ‏وتفاوت في كيفية ‏التعامل مع ‏الجائحة، ما بين ‏مشجّع للعامة ‏على استمرارهم، ‏ومن يطلب منهم ‏التمهّل في ذلك. ‏وكذلك هناك من ‏سكتوا من هول ‏المفاجأة.‏
المؤسسات ‏المسيحية (كما ‏أسلفنا) تعاملت ‏مع هذا الوضع ‏الكارثي من ‏خلال التقنية ‏ومتابعة المؤمنين ‏وحثهم على ‏الصلوات، ولو لم ‏تكن في دور ‏العبادة، لأنها ‏استدركت بأن ‏ابتعادهم عن دور ‏العبادة قد يؤدي ‏إلى ابتعادهم عن ‏الدين. وهذا ‏الذي جعلهم ‏يكثفون تواصلهم ‏مع رعاياهم عبر ‏التقنية والإنترنت.‏
مع اضطرار ‏المؤسسات الدينية ‏إلى حث الرعية ‏على الالتزام ‏بتعليمات ‏الحكومة من ‏حجر وتباعد في ‏الاتصال ‏الاجتماعي، برز ‏مشكل جديد ‏أمام الكنيسة ‏ينذر بعواقب ‏وخيمة عليها. ‏فالكنيسة في ‏تاريخ الصراع بين ‏الدين والدولة ‏أرغمت على ‏القبول بالفصل ‏بين الدين ‏والدولة، وقبلت ‏على مضض ‏باستقلال الدولة ‏في النظام الزمني ‏أو الدنيوي، وفي ‏المقابل، هي ‏طالبت باستقلال ‏المجتمع الديني عن ‏المجتمع السياسي.‏
والآن في ظل ‏كارثة «كورونا» ‏أُجبرت على ‏السماح للدولة ‏بالتحكم في شؤونها ‏وشؤون رعاياها. ‏فهل هذا السابقة ‏الجديدة قد ‏تؤسس لفكرة ‏مطلقية الدولة ‏المتحررة سلطتها ‏من كل سلطة ‏خارجة عن ‏سلطتها الذاتية؟
حسب بعض ‏التقارير، فإن ‏بعض المؤسسات ‏الدينية تبحث في ‏النظر بما يمكن ‏صياغته من ‏قوانين، قد ‏تضطرهم للاستناد ‏إليها، في حالة ‏تمدد تدخل الدولة ‏تحت ذريعة ‏أخرى، غير ‏الجوائح الوبائية.‏
ويمكن القول هنا ‏إنه، حتى ‏مؤسسات المال ‏والأعمال، ‏وكذلك بيوت ‏التأمين الصحي، ‏تخشى من أن ‏تتسلل الدولة ‏مستقبلاً إلى ‏منطقة نفوذهم ‏المبنية على حرية ‏التداول الرأسمالي ‏القائم.‏
الشاهد الذي ‏اعتمد عليه ‏أستاذنا رضوان ‏السيد بالتبشير ‏بنهضة دينية ‏مسيحية تحصل ‏الآن لا يتعدى ‏كونه ردة فعل ‏غيبية أقدم عليها ‏جمهور متعلّق ‏بالخوارق ‏والمعجزات، حتى ‏في الأوضاع ‏العادية، فكيف ‏بجائحة طاغية ‏مثل وباء ‏‏«كورونا»؟!‏
وعامة الناس ‏الذين قال أستاذنا ‏رضوان السيد ‏عنهم إنهم اندفعوا ‏حاملين رموزهم ‏باتجاه الكنائس، ‏رغم إغلاقها، ‏ليسوا أصحاب ‏نهضة دينية أو ‏بعث أو تجدد أو ‏عودة للدين، ‏لأنهم أصلاً من ‏المتدينين المعتادين ‏ارتياد الكنائس. ‏وتصرفهم هذا ‏يضعهم عند ‏‏«ذوي المراتب ‏الكنسية» ‏المستنيرين، وعند ‏أصحاب الإيمان ‏المسيحي العاقل ‏في خانة الأصولية ‏الدينية ولا يرفعهم ‏إلى مرتبة النهضة ‏الدينية.‏
تماشياً مع اتجاه ‏أحمد عدنان ‏الصوفي الروحي، ‏أستفهم من ‏مولانا: هل ما لم ‏يصرح به رضوان ‏السيد، علم به ‏استناداً إلى علم ‏المكاشفة؟ أم هو ‏قراءة «باطنية» ‏لمقاله؟! ‏وللحديث بقية.‏


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة