الصحوة العراقية... وما بعدها

الصحوة العراقية... وما بعدها

الأربعاء - 28 شعبان 1441 هـ - 22 أبريل 2020 مـ رقم العدد [15121]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

على رغم انشغال البال العربي بالتداعيات الناشئة صحياً واقتصادياً عن «كورونا» التي لا تخلو دولة من أذاها صغُر الأذى أو كبُر، فإن خطوات يتم الإعلان عنها ثم الأخذ بمضامينها تبعث على الطمأنينة، بأن ما أصاب الكيان العربي من جراح وكدمات إلى علاج. أو في الحد الأدنى إلى تضميد. فعندما تم الإعلان من الرياض يوم الأربعاء 8 أبريل (نيسان) 2020 من جانب المتحدث باسم «تحالف دعم الشرعية في اليمن» عن وقف شامل لإطلاق النار لمدة أسبوعين، بدءاً من اليوم التالي (الخميس 9 أبريل) كثرت التمنيات بأن يقرأ الحوثيون البادرة بتبصر للأمور، وبالتالي يكون الرد عليها بالتجاوب، وعندما يؤخذ بها تتجدد المهلة مرة واثنتين وأكثر، إلى أن تتكرر صيغة القبول بوقف إطلاق النار التي كان أعلنها الخميني قبل 32 سنة، بعد ثماني سنوات من الحرب ضد العراق. ويومها (18 يوليو/ تموز 1988) أفتى القبول بعبارة: «كمَن يتجرع السم».
وحيث إن الحوثيين هم من تلامذة المدرسة الخمينية، فمن تحصيل الحاصل أن يأخذوا ولو بعد مكابرة بما أخذ به الخميني، وبذلك وضعت الحرب أوزارها.
لكن الذي كان لافتاً هو أن النفس الحوثية التي اقتنصت شرعية وطنية وقامت بتجيير مفاعيلها للغريب، وامتهنت لهذا الغرض إيذاء الجار الأَوْلى بالحرص عليه من جانبها، خشيت بخروقات قامت بها أن يتحول وقف إطلاق النار إنْ هي ارتضت الأخذ به التزاماً مسؤولاً إلى خلو اليد من أي ورقة تلعبها؛ بل ربما خشيت أن تؤسس بادرة الوقف الشامل لإطلاق النار لمدة أسبوعين من جانب «تحالف دعم الشرعية في اليمن» إلى نزوع النظام الإيراني إلى المرونة التي تُحقق له حالة من إعادة النظر في اجتياحاته الخارجية، بأمل الخروج من شرانق الحصار والعقوبات، والانصراف إلى معالجة الكم الهائل من القضايا العالقة داخلياً وخارجياً، فضلاً عن تأزيم من جانبه للعلاقات مع بعض جيرانه الخليجيين، وكذلك مع كثير من دول العالم. وفي حال حدث ذلك، فإن الورقة الحوثية تُطوى كما سائر الأوراق الخارجية، وبالذات الورقة اللبنانية التي حالها من حال الورقة الحوثية، وتوأمها الحالة الغزاوية بشقيها «الحمساوي» و«الجهادي».
والذي يجعل الخشية تقترب من نفوس الأذرع الثلاث التي طالما مارست إيران الخامنئية بها مواجهات غير محسوبة بدقة مع المجتمع الدولي، وتحرشات بالغة الأذى بكل من السعودية ولبنان، أن هنالك في العراق حالة صحوة نوعية، على رغم أنها بطيئة الخطوات، وتتمثل في أن التشكيل المتعثر للحكومة وما نشأ عن التعثر من خسائر وارتباكات، بدأ يسلك طريقاً غير تلك التي كانت الحكومات السابقة تسير عليها، وجاءت المحصلة في النهاية لا تبشر بأي مستقبل لنهوض العراق من كبوته، بفعل انتزاع إرادة القرار الوطني منه من جانب الجار الإيراني.
بداية هذه الصحوة تعود إلى سنتين خلتا. وحيث إن ما بين السعودية والعراق ليس مثل الذي بينها وبين الجيب الحوثي المقتنِص الشرعية اليمنية، والمستعمَل كأداة تحرش وإلحاق الأذى بشرياً واقتصادياً بها، فإن المملكة راعها الذبول العروبي في العراق والتمدد الفارسي فيه، فكان الرد على زيارات نوعية لها من جانب قامات سياسية ودينية عراقية تسريعاً متدرجاً للتطبيع الأخوي، بدءاً بفتح معبر عرعر بين الدولتين، وإنشاء «المجلس التنسيقي السعودي - العراقي». وتلك خطوة تركت الأثر الطيب في نفوس عموم العراقيين، ورأى فيها رئيس الحكومة عادل عبد المهدي خلال استقباله مساء يوم الخميس 4 أبريل 2019 أعضاء الوفد السعودي في المجلس «ما يؤكد تصميم الحكومة العراقية على إقامة أفضل العلاقات مع المملكة العربية السعودية». وزيادة في التوضيح قال بما يثلج صدور الحاضرين من الجانبين، ويُبهج قلوب العراقيين الذين ضاقوا ذرعاً بالأثقال الإيرانية عليهم: «إن العراق حريص على توسيع علاقاته مع محيطه العربي والإقليمي، وانتهاج سياسة تركز على المشتركات الكثيرة، وفرص التعاون الواسعة في جميع المجالات، ويتطلع إلى تحقيقها في المحادثات الجارية في بغداد، وخلال زيارته المقبلة إلى السعودية».
تزامن مع هذا الكلام الودي ترحيب القطاع الشبابي والرياضي بهدية المملكة إلى الأجيال العراقية، والمتمثلة ببناء مدينة رياضية متكاملة، قال حولها وكيل وزير الشباب عصام الديوان، إنه سيكون لها أثر كبير في إحداث نقلة كبيرة، ليس لكرة القدم العراقية فحسب؛ بل على مستوى الشباب والرياضة بشكل عام. كما أن المدينة ستشمل مواقع تُظهر الإرث العراقي والسعودي المشترَك على مدى العقود الماضية.
هذا الحرص الطيب من جانب المملكة زاد من حنين العراقيين إلى طبيعتهم وجذورهم، عروبيين حريصين على سيادة وطنهم، يميزون بين الطامع بهم والقابض على إرادتهم. كما أن إضفاء ملمح ثقافي للإطلالة على العراق شكَّل نوعاً من توق السعودية إلى العراق الشعر والرواية والبحوث والفنون مسرحاً ورسماً. وهذا ما عكستْه لفتة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، أحد أعضاء الوفد، والذي استحضر من مخزون الذاكرة أهمية شارع المتنبي في الحياة الثقافية العراقية، والعربية عموماً، فقام بجولة في الشارع العابق.
وكان قد حدث تعزيز نوعي لهذا التوجه من جانب المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني، عندما ارتأى في ضوء زيارة قام بها إلى بغداد الرئيس الإيراني حسن روحاني دامت ثلاثة أيام، وانتهت الأربعاء 13 مارس (آذار) 2018، القول في بيان صدر عن مكتبه، إنه يرحب «بأي خطوة في سبيل تعزيز علاقات العراق بجيرانه، وفقاً لمصالح الطرفين، وعلى أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها». وزيادة في التوضيح - بحيث لا يكون كلام السيستاني من العموميات - أضاف أن «أهم التحديات التي يواجهها العراق في هذه المرحلة هي مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات العامة، وحصْر السلاح بين الدولة وأجهزتها الأمنية، وضرورة أن تتسم السياسات الإقليمية والدولية في هذه المنطقة الحساسة بالتوازن والاعتدال، لتُجنب شعوبها مزيداً من المآسي والأضرار».
وأن يقول السيستاني ما قاله فإنه يكتسب أهمية مضافة، كونه ارتبط بزيارة الرئيس روحاني التي اتسمت بالأصول ومراعاة الخصوصية العراقية، خلاف زيارات الجنرال قاسم سليماني الذي كان يزور عراقه، بينما السيستاني يريد أن تكون الزيارة التي تحترم السيادة والخصوصية. كما يكتسب كلام السيستاني أهمية، كون عملية تصفير صادرات النفط الإيراني كانت قد وصلت إلى الخط الأحمر، بسبب حرمان الخزينة منذ عام 2017 من عشرة مليارات دولار.
هذه الأجواء عموماً ومعها الانتفاضة، ثم تداعيات «كورونا» معيشياً وصحياً واقتصادياً، جعلت لا بد من حكومة تترجم معاني الصحوة التي بدأت، وما بعد هذه الصحوة. ومن هنا استقر التوافق بعد طول خيارات مرفوضة، على مصطفى الكاظمي لتشكيل حكومة عراقية قلباً وعروبية قالباً. وللحديث حول هذه الصحوة بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة