الجمع في إهاب واحد بين فكريتين متعارضتين

الجمع في إهاب واحد بين فكريتين متعارضتين

الأحد - 6 رجب 1441 هـ - 01 مارس 2020 مـ رقم العدد [15069]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

تحدث محمد حسن عواد في اللقاء النادر الذي أجراه معه محمد رضا نصر الله، في التلفزيون السعودي، عام 1979، عن مقاله، «مداعبة مع العلماء»، الذي هو أول مقالات كتابه «خواطر مصرَّحة»، وعن علماء الحجاز، الذين قال عنهم: «كنت أقرأ وأسمع منهم أشياء تخالف الدين وأشياء لا تتسق مع المنطق ولا يستسيغها العقل... وأشياء مخالفة للواقع. كانوا يحتقرون المرأة، مع أن المرأة أخت الرجل. وكانوا يحتقرون حرية الفكر. وكانوا لا يؤمنون بالتآخي والتساوي في المصالح والأعمال، فكانوا يركزون على وجود طبقة ممتازة امتيازاً غير طبيعي تكون قابضة على كل شيء، حتى على الفكر نفسه. وهذا شيء لا يُهضَم. كانوا يحتقرون المرأة إلى درجة أنهم لا يعلِّمون البنت، فكانت البنت مهمَلة. وكانوا لا يحبون أن تتقدم صناعة البلد أو حتى توجد صناعة. لم تكن توجد صناعة في البلد. كانت أهم الصناعات خدمة الحجّاج والطوافة، وصناعات خفيفة كالتجارة والحدادة. هذه الصناعات ما عدا خدمة الحجاج صناعات محترمة. فخدمة الحجاج خدمة إنسانية، وليست صناعة يجب أن يقوم المواطن بها من تلقاء نفسه. وألا يعتبرها مهنة يأخذ عليها أجراً، وإلا فأين شعوره بعمق التعاليم التي أتى بها الدين الإسلامي؟! الدين الإسلامي أمرنا بالحب، أمرنا بالتضحية، أمرنا بالتساوي مع الناس، أمرنا بحسن التعامل معهم. وهؤلاء ضيوف الله قبل أن يكونوا ضيوف البلد. فما معنى معاملتهم كعملاء ومنافسين ومضايقين لنا في البلد؟! فكانوا يُعاملون بكل حقارة ودناءة...».
قاطعه محمد رضا نصر الله قائلاً: «في ذلك الزمن».
فأجاب مسترسلاً في حديثه: «نعم، في ذلك الزمن قبل كتاب (خواطر مصرَّحة)...».
إن حديثه عن مقاله، «مداعبة مع العلماء»، وعن علماء الحجاز فيه حديث غير دقيق، فمآخذه عليهم التي ذكرها في حديثه، لا يوجد منها في المقال سوى ما قال عنه: أشياء مخالفة لصحيح الدين وأشياء لا تتسق مع المنطق ولا يستسيغها العقل. ودعوته إلى النهوض بالمرأة الحجازية وإلى حرية الفكر في الحجاز في مقالات أخرى من كتابه طرحها بمعزل عن موقف علماء الدين الرافض والمناهض لهاتين القضيتين الجديدتين على الحجاز وعلى غير الحجاز في العالم العربي في عشرينات القرن الماضي. كما أن نقده لعلماء الدين ولرجال الطرق الصوفية في غير ذلك المقال، الذي كتبه بأسلوب الشذرة، كان بمعزل عن قضية النهوض بالمرأة، وبمعزل عن أي قضية أخرى مباشرة من قضايا التقدم أو التحديث. فجل ما نستخلصه من شذراته الناقدة لهم أنه ينعى عليهم جمودهم وتحجرهم.
وهذا ما يوضح لنا قصده في قوله عنهم إنهم كانوا يحتقرون حرية الفكر. أي أن فكرهم فكر مقيد ومغلول ومحجور عليه، وليسوا أحراراً فيه.
سأعرض لكم ما قاله في شذراته الناقدة لعلماء الدين، لتطمئنوا إلى صحّة ما ذهبت إليه.
قال في مقاله، «من مشعل النار»: «العلماء - نفسي تشمئز حينما تقع عيني على واحد منهم لأني كلما رأيتهم تذكرت كلمة ذلك الصوفي الخرف: ما في الجبة إلا الله».
وقال في مقاله، «فكرة تسائلني»: «لماذا لا يسمح الفقهاء بإرشاد العامة إلا إذا أرشدهم (الأصفر الرنان)؟!».
هذه الشذرة تختلف في مضمونها النقدي عن مضمون الشذرة الأولى ومضمون بقية الشذرات الأخرى.
وقال في مقاله، «من سلسلة أفكاري أو المراسلات»، الشذرات التالية:
- لا تفلح أمة يكثر فيها أرباب الطرق الذِّكْرِيَّة.
- مما أنتجته تجاربي الصغيرة أن لا فرق بين الدرويش والشيطان، فكم كنتُ أغترّ بهؤلاء الدراويش، وبالأحرى هؤلاء اللصوص، وأعتقد أنهم من خيرة الله في خلقه، حتى هدتني التجارب إلى عكس ما أظن.
- كم جلبت لنا من المصائب تلك العمائم المشيدة فوق الرؤوس.
- خُلِق الدين ليسدد خطوات الإنسان ويقوده إلى طريق الحقيقة، والنور... خُلِق ليقضي على الجمود، وليضع حدّاً للتعصب العنصري، والغشاوة الفكرية، ويُنهِض الروح من مَبَارِكَ كان معتقلاً فيها، فلا يجب أن نشوه سمعته، فنفهم أن وظيفته هي أن يعلمنا الصوم والصلاة، والاعتكاف فحسب.
- بحث المسيحيون في ديانتهم، فوجدوا قوانينها لا تلائم حاجات العصر الحاضر، فدرسوا قوانين الإسلام، فوجدوا ضالّتهم المنشودة، فاقتبسوا من تعاليمه، فساروا إلى الأمام. فهل من الموافق المقبول أننا لا نعرف - نحن المسلمين - كيف ننتفع بتلك التعاليم الحقيقية التي هي روح الدين؟ مصيبتنا في ذلك علماء الدين؛ يفهّموننا قشور الدين حفاظاً على مراكزهم!
- أفكار متحجرة، فوق عمائم مكبرة، وتحتها ذقون مبعثرة، تلك هي كابوس الأمم، وسموم الحياة.
- من بلادة علماء الدين ألا يعتبروا الإمام محمد عبده المصري من أكثر الرجال الذين خدموا الإسلام خدمة لم يعرف التاريخ مثلها في مصر.
كذلك كان محمد حسن عواد في الشطر الأخير من حديثه التلفزيوني غير دقيق، فمقترحه بإنشاء تجارة متعددة وصناعة جديدة في الحجاز، وإنشاء زراعة في جدة، وأماكن أخرى قليلة الماء في الحجاز، الذي طرحه في مقاله، «أمة مهملة»، طرحه بعيداً عن علماء الدين وعن محافظتهم على نمط الحياة الاجتماعية والاقتصادية العتيق. واعتراضه على أن تكون خدمة الحجاج مهنة يُقتضى عليها أجر هو رأي لم يقل به في ذلك المقال. وهو بهذا الرأي يعود إلى رأي فقهي مختلَف فيه. وقد استقر العمل على خلافه بين جمع من العلماء حتى يومنا هذا. ولا ننسى أن مهنة الطوافة هي مهنة مستحدَثة أصلاً. فهذه المهنة كما يقول أحمد السباعي في كتابة، «تاريخ مكة»: «ابتُدِعت في عهد الشراكسة، واتسع نطاقها قليلاً في أوائل العهد العثماني، لأن أمراء الأتراك ورؤساءهم كان لا بد لهم من أشخاص يطوّفونهم».
لكن من الواضح أن محمد حسن عواد في ذلك المقال مع إلغاء هذه المهنة، وأنَّه كان ضدها، وهو ما يعبر عنه قوله فيه ساخطاً عليها، وهازئاً بها: «كأننا أخذنا وثيقة رسمية عليها شهادة الروح الأمين، وميكائيل وإسرافيل، وضمانة الرسل والأنبياء، أننا (مطوِّفون)، إلى يوم الساعة! عاطلون بالوراثة إلى يوم الساعة!».
قد لا يكون قصد محمد حسن عواد في ذلك الحديث التلفزيوني أن يروي بالضبط فحوى هجومِه على علماء الدين في الحجاز والسياق الذي أتى فيه، فقد يكون قصدُه أنَّه أراد في سن متأخرة أن يفسر سبب هجومه عليهم في مقتبل شبابه.
يقول يوسف ياسين، برويَّةٍ وهدوءٍ، في رده على مقاله، «مداعبة العلماء»: «اعتادوا نقد علماء الدين في سائر الأمصار لما يجدونه في بعضهم من مخالفة السِّير لأحكام الدين، وهم يأمرون باتباعه ولتزيي بعضهم أيضاً بزي العملاء وهم جهلاء، ولكن الدلائل التي أقامها والأمثال التي ضربها يرى القارئ فيها آثار الضعف بادية، وهي قليلة الفائدة... فلو ذكر الكاتب مؤلّفاً لعلماء الحجاز الذين ينتقدهم بهذا الوصف ونَقَده، لقال الناس: صدق حسن عواد وأخطأ العلماء، ولكن الناس لا يعرفون مثل هذا الكتاب، فهل يتخيل حسن عواد شكلاً من الأشكال كما يريد لينتقده ثم ينتقده ويجعل الذنب في ذلك على العلماء؟! وأنا لا أنكر على حسن عواد نقده لبعض العلماء وتقصيرهم في أمور العلم وعدم اتباع بعضهم لما يعلم، وذلك شأن البعض منهم في كثير من الأمصار لا في الحجاز وحده. وأعتقد أن النقد على غير هذا الأسلوب وبصورة أقرب للصواب أفيد من هذا الشكل الذي يدعو إلى النفور والعناد».
كنت قد قلت في مقال سابق أن الفكرة في مقال محمد حسن عواد، «مداعبة مع العلماء»، وفي تحديدها وطريقة عرضها كانت مضطربة. هذا الاضطراب يتعدى - حقيقة - هذا المقال إلى نوع توجهه الفكري وطريقة النظر عنده نحو المسألة الإسلامية والمسألة الغربية. ومردُّ هذا الاضطراب إلى أنه جمع في إهاب واحد تأثراً شديداً بفكريتين متعارضتين على نحو غير متَّسقٍ ومتناقض، وهما: العلمانية الراديكالية والإصلاحية الإسلامية في عصر النهضة العربي.
فقوله مثلاً: بحث المسيحيون في ديانتهم... إلخ، هو قول تقول به الإصلاحية الإسلامية، بينما لا تقول به الراديكالية العلمانية العربية في ذلك الزمن، لأنَّه فضلاً عن أنَّه قول غير صحيح هو قول جداً ساذج.
وهجومه على علماء الدين وأشياخه، الذي في بعض شذراته الناقدة يكاد يكون هجوماً بالمطلق، هو محاكاة تأثرية سطحية لأحد مثقفي تلك العلمانية الراديكالية العربية. وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة