«كايسيد» والتسامح الإنساني

«كايسيد» والتسامح الإنساني

الأربعاء - 3 رجب 1441 هـ - 26 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15065]
إميل أمين
- كاتب مصري

مبهج للعين وشهي للقلب مشهد المملكة العربية السعودية وهي تفتح أبوابها واسعة لرحابة اللقاء، وتضرب مثلاً معاصراً في قيمة التسامح الإنساني والوجداني، انطلاقاً من أن خطاب التسامح هو قيمة أخلاقية مكتسبة، تختزلها مسيرة العقل الذكي أو العقل العارف.
قبل بضعة أيام كان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز يستقبل الأمين العام لمركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات (كايسيد)، السيد فيصل بن معمر، وأعضاء مجلس إدارة المركز، في أعقاب اختتام اجتماع الدورة العادية الثانية والعشرين لمجلس إدارة المركز.
يعنّ لنا أن نتوقف عند هوية الزائرين؛ ذلك أنها تعكس الروح الخلاقة التي تسود أوساط المملكة في الوقت الراهن، روح التلاقي الإنسانوي، التي تقف وراءها عقول مبدعة، وإرادة قوية قابضة على جمر الفرصة السانحة للتغيير الصادق مع الحفاظ على الثوابت، تلك الروح التي تدرك أن الإنسان موسوم بالضعف والهشاشة ومحكوم على الدوام بالحاجة إلى التعاون مع الآخر من أجل تحقيق السعادة المنشودة أو لجم نزعات الشر فيه.
مجلس إدارة «كايسيد» الذين شرفوا بلقاء الملك سلمان، يضم ممثلين عن الإسلام والمسيحية واليهودية، وكذا البوذية والهندوسية، وقد أضحت «كايسيد» في الأعوام القليلة الماضية ومنذ تأسيسها الجسر الواصل بين الشرق والغرب، وباتت تمثل وعن جدارة الرؤية المؤسساتية لمستقبل عالمي يبنى سوياً على أسس من الإخاء الإيماني الذي يرى في الآخر أخاً وصديقاً وقريباً، وليس عدواً أو منافساً ينبغي إقصاؤه أو عزله.
بضعة أعوام لـ«كايسيد» وقفت المملكة وراءه بكل ما تملك من الدعم الأدبي والمادي، وبشراكة مع مؤسسات دينية كبرى كحاضرة الفاتيكان؛ ما يعني أننا في زمن البنّائين الحقيقيين لمسيرة المؤازرة لكل ما هو راق وجميل، وانطلاقاً من الإيمان بالله الذي خلق الناس جميعاً، وخلق الكون والخلائق وساوى بينهم برحمته.
جاب «كايسيد» الأرجاء من آسيا إلى أفريقيا إلى أوروبا، يفشي السلام ويسعى في إنهاء الخصام، يعزز من الدعوة إلى الاتفاق ونبذ الافتراق، وبقناعة أن المؤمن الحقيقي مدعو للتعبير عن يقينه في الأخوة الكونية عبر الاعتناء بكل الخليقة دون استثناء أو تمايز، وعازم على تقديم العون لكل إنسان، ولا سيما الضعفاء والأكثر حاجة وعوزاً، وما أحوجَنا إلى كلمة طيبة، في زمن العودة إلى التراشق الآيديولوجي القاتل.
حين كان خادم الحرمين الملك سلمان يلتقي أعضاء مجلس إدارة «كايسيد» بهذه التوليفة الإيمانية والعقائدية التي تعكس سنّة التنوع والتعدد في الكون، كانت بقعة أخرى حول الأرض تشهد عودة كئيبة ورهيبة لهول التشدد والتطرف العرقي، ذلك حين قام متطرف يميني ألماني في مدينة هاناو ومن منطلقات عرقية، باستهداف رواد مقهى؛ ما أدى إلى سقوط قتلى ومصابين، وبعده بثلاثة أيام تكرر المشهد في مدينة شتوتغارت جنوب غربي ألمانيا، ومن رحمة القدر أنه لم يسفر عن ضحايا.
لا وجه للمقاربة بين مشاهد في شرق يحاول أن يعيد الأنوار التي خبت إلى العالم، وبعض لحظات ألم في الغرب تسعى لإعادة إنتاج سيناريوهات الموت والقتل على الهوية، وقد كنا نظن أن الأنوار الفلسفية والفكرية الأوروبية، قد بددت شقاء الأوروبيين مرة وإلى الأبد، لكن من الظاهر أنها الجينات البشرية التي تحمل الشقاء والهناء معاً؛ ولهذا يعد «كايسيد» والدعم السعودي له خطوة إيجابية حقيقية في سياق تطوير خطاب التسامح أولاً انطلاقاً من الممكنات الواقعية.
حين يرحب سلمان العزم والحزم بأعضاء المركز الذين يعقدون اجتماع مجلسهم الأول في الرياض، وفي هذا إشارة ودلالة لا تخطئها العين للتوجه الحديث للمملكة؛ ما يعطي القاصي والداني من أصحاب النوايا الطيبة والطوايا الصالحة دفعة وزخماً كبيرين، حين يفعل ذلك مؤكداً أهمية المركز ودوره في ترسيخ مبادئ الحوار والتعايش بين أتباع الأديان والثقافات، وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال والتسامح ومكافحة كل أشكال التطرف والإرهاب، فإن طاقة من الأمل تنفتح من أرض العرب التي أبصر في كنفها النور علماء أفذاذ في مختلف العلوم، طاقة تبدد ظلام الأصوليات وجفاف القوميات بأنوار المودات، التي تكرست مسيرة «كايسيد» لها، والحديث هنا للسيد فيصل بن معمر، الأمين العام للمؤسسة، التي تمضي في طريق الحوار العالمي وبناء السلام وتعزيز التعايش السلمي حول العالم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة