السياح الصينيون

السياح الصينيون

الاثنين - 1 رجب 1441 هـ - 24 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15063]
د. عبد الله الردادي
باحث سعودي متخصص في الإدارة المالية

لا يزال العالم بأكمله يعاني من أثر فيروس كورونا المنتشر في الصين، ومن أكثر من جهة، فلا يبدو أن تأثر الاقتصاد العالمي من فيروس كورونا المنتشر بالصين قد ينحصر على الشركات الصناعية واللوجيستية فحسب، ولا يبدو كذلك أن هذا التأثر ينحصر على الأثر المباشر مثل توقف الخدمات والمصانع في الصين وتوقف الحركة التجارية التي تدخل الصين طرفا فيها. بل تعدى هذا الأثر إلى قطاعات كثيرة مست حياة الكثير من الناس حول العالم منها القطاع السياحي.
فأثر فيروس كورونا وصل إلى كل مدينة سياحية في العالم، من عدة نواح، المباشر منها وغير المباشر، فالأثر المباشر كان من غياب السياح الصينيين الذين يشكلون ثقلا كبيرا في خارطة السياحة العالمية، والعدد السنوي للسياح الصينيين يتجاوز مليون سائح، ينفقون أكثر من مليار دولار، وهو ما يشكل في المائة من الإنفاق العالمي في السياحة والذي يزيد على . تريليون دولار. والأثر غير المباشر كان من غياب بقية السياح الذين أحجموا عن السفر خوفا من انتقال العدوى إليهم بذهابهم إلى أماكن التجمعات السياحية. وقد جاء فيروس كورونا في وقت حرج جدا من السنة من الناحية السياحية، فقد ظهر الفيروس قبل إجازة رأس السنة الصينية، والتي تكثر فيها السياحة الخارجية للصينيين، وقد أوضحت إحصائية أن عدد الرحلات الخارجية في الصين انخفض بأكثر من في المائة هذه السنة مقارنة بالأعوام الماضية. وقد كان بعض الانخفاض بسبب إحجام بعض شركات الطيران عن توفير الرحلات للصين، فشركات مثل الخطوط البريطانية والفرنسية والأميركية أعلنت إيقاف رحلاتها إلى الصين. وقد تعدى هذا التصرف شركات الطيران إلى الدول، فقد منعت دولة على الأقل وصول الرحلات المباشرة إلى الصين.
وكانت الدول الآسيوية الأكثر تضررا من هذا الفيروس مثل هونغ كونغ التي تعد الوجهة الأكبر للصينيين بأكثر من مليون مسافر سنويا (السائح منهم وغير السائح)، ولم تفق هونغ كونغ بعد من الأثر السلبي للمظاهرات التي حدثت فيها، حتى تصطدم بغياب السياح الصينيين. كما تضررت كذلك تايلند التي يعتمد في المائة من اقتصادها على السياح الصينيين، ويشكل الصينيون أكثر من ربع حجم المسافرين إلى تايلند، وقد أوضحت إحصائية أن انخفاض السياح إلى تايلند قد يصل إلى مليوني مسافر، حتى أن العملة التايلندية تضررت هذا العام وهو ما دعا البنك المركزي التايلندي إلى خفض سعر الفائدة. كما تضررت مكّاو كذلك، وهي إحدى أكبر الوجهات السياحية للمقامرين الصينيين، فبعد اكتشاف حالة كورونا في إحدى دور المقامرة، أقفلت الحكومة جميع هذه الدور لمدة أسبوعين مما تسبب في هبوط أسعار أسهم هذه الشركات لنسبة بلغت في المائة. وفي جزيرة بالي الإندونيسية، قام أكثر من ألف سائح صيني بإلغاء حجوزاتهم لهذا العام وهو ما تسبب بخسائر فادحة للفنادق الإندونيسية.
كما تعدى الأثر السياحي لهذا الفيروس آسيا ليصل إلى أستراليا وأوروبا كذلك، فأستراليا استقبلت في عام نحو تسعة ملايين سائح، ما يقارب المليون ونصف المليون منهم جاءوا من الصين، وأنفقوا أكثر من مليارات دولار في أستراليا. وفي فرنسا التي يشكل القطاع السياحي في المائة من اقتصادها، عبر أحد الباعة في متاجر الماركات الفخمة عن استيائه من عدد الزوار في هذا العام، موضحا أن هذا الوقت من كل عام يرتبط بطول طوابير العملاء، وهو ما لم يحدث هذا العام في متجره في باريس. وقد بلغ إنفاق الصينيين لوحدهم في فرنسا عام أكثر من . مليار دولار. ولم يكن الحي الصيني في لندن أقل تأثرا من ذلك، فقد خلت شوارعه لهذا العام بعد أن كان مكتظا بالزوار في السنوات السابقة أوقات إجازة رأس السنة الصينية.
إن السياح الصينيين يشكلون نسبة لا يستهان بها من السياح العالميين، ولربما لم يلاحظ أحد تأثيرهم الفعال حتى جاء هذا الفيروس، ذلك أن عدد السياح الصينيين زاد بشكل تدريجي منذ عام حيث بلغ . مليون مسافر ليصل إلى مليونا العام الماضي، هذه الزيادة ارتبطت مع ارتفاع المستوى المعيشي للصينيين الذي سببه نمو الاقتصاد الصيني. وكما أدرك العالم أنه لا يستطيع الاستغناء عن الصين من الناحية التصنيعية، يدرك الآن حجم اعتماد القطاع السياحي على السياح الصينيين.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة