هل حققت «فبراير ليبيا» أهدافها؟

الاثنين - 23 جمادى الآخرة 1441 هـ - 17 فبراير 2020 مـ Issue Number [15056]

شهر فبراير يتوسطه «عيد الحب (فالنتاين)» وتعقبه بأيام ثلاثة ذكرى «حراك 17 فبراير (شباط) 2011» في ليبيا، الذي أسقط نظام القذافي، وبتحالف مع «الناتو» أسقط الدولة الليبية بجميع أركانها؛ الأمر الذي ترك ليبيا في مهب الفوضى ومستوطنة لها، بل ومصدراً لها... بل جعل أغلب من خرج في ذلك اليوم لا يرغب في الاحتفال به، سوى حفنة من أمراء الميليشيات وأتباع التنظيم الإخواني، الذين يعدّ «17 فبراير» لهم غنيمة لنهب ليبيا. ذلك أن ليبيا أصبحت بالفعل مرعى للإخوان المسلمين، واتخذوها موطئ قدم لهم، على رغم أنه لا قاعدة شعبية ولا حاضنة اجتماعية لهم في ليبيا، إلا أن المال القطري والدعم التركي، وسقوط الدولة في ليبيا مكنهم من ذلك ببساطة.
قبل الإجابة عن السؤال: هل حققت «فبراير» أهدافها؟ هناك سؤال آخر يسبقه: ما أهداف «فبراير»؟ وهو السؤال المحيّر للجميع بمن فيهم أنصار «فبراير»، ولن تجد له إجابة سوى: إسقاط النظام، مما يعني: «تحيا الفوضى».
«فبراير ليبيا»... بعد مرور تسع سنوات عجاف؛ لم يتحقق شيء من «أهداف الثورة»، التي لم يتفق عليها أي فريق شارك فيها، ولا يستطيع أحد الزعم أنه يعرفها، ليبقى السؤال: هل فعلاً تخلصنا من الظلم والفساد والديكتاتورية؛ أم استبدلنا بـ«ديكتاتور وطاغية» طغاة جدداً؟ لأنه ليس جميع من خرج في «حراك فبراير 2011» كان يريد إنهاء الظلم وإسقاط «طاغية» وبناء دولة مدنية، بل كان البعض يريد منافسة القذافي على كرسي الحكم وممارسة دور الطاغية بدلاً منه.
«فبراير» الحلم بالحرية والديمقراطية والتوزيع العادل للثروات، أصبح كابوساً مفزعاً، بسبب ما تلاه من مآسٍ لم يكن يتصورها الليبيون، فليبيا الآمنة المستقرة والتي أغلب سكانها عرب، ومائة في المائة مسلمون، شهدت ظهور جماعات لم تسمع بها من قبل، وظهرت ميليشيات مسلحة قادتها كان أغلبهم من سجناء نظام القذافي من ساكني جبال «تورا بورا»، حتى أولئك الذين تصالح معهم في مشروع «ليبيا الغد»؛ جماعة «الإخوان»، نكثوا بالعهد وقاتلوا نظام القذافي رغم العهود والمواثيق.
سوداوية المشهد بعد «فبراير 2011» في ليبيا بسبب أزمات سياسية واقتصادية، لا تعني أن النظام السابق؛ نظام القذافي، كان نموذجياً حقق الفردوس الأرضي والمدينة أو الدولة الفاضلة، من خلال «جماهيرية العقيد»، التي كانت أول مُشَرْعِنٍ للفوضى وضياع المسؤولية، من خلال نظام هلامي يشتت المسؤولية بين الجماهير من خلال قرارات كانت تصدر باسم الشعب في غياب الشعب.
لم تكن «فبراير» بأحسن من «سبتمبر»، والعكس هو الصحيح، ففي الحالتين كان الشعب هو الضحية؛ وإن كان بدرجات مختلفة، فالفساد المالي والإداري وإن كان بدرجة أقل في عهد «سبتمبر القذافي»، فإن ما كان مجمَّعاً من مليارات تحت بند «المجنب للأجيال المقبلة»، جاءت هذه الميليشيات الإرهابية التي تسلقت على أكتاف «فبراير 2011» ونهبته. لا أحد يعرف أين ذهبت هذه المليارات، وكيف صرفت، وكيف حُولتْ.
حقوق الإنسان التي بدلاً من أن تتحسن بعد «الربيع العربي» ازدادت سوءاً؛ بل أصبحت تحاكي الديكتاتوريات التي «ثارت» وخرجت عليها، بسبب سياسات القمع للحريات. «اقهروا الرجال» تعبير تستخدمه القوى القاهرة، منذ زمن الديكتاتوريات في سجون وفروع الأمن السياسي، حيث كان القهر الجسدي سلاح الأنظمة الديكتاتورية، واليوم استخدمته واستنسخته الميليشيات، حيث مارست القهر الجسدي، في مشاهد مروعة وصادمة، تتنافي مع مفهوم «الثورة» التي هي في الأصل التغيير الكامل والجذري، أي التحول من حالة الظلم والفساد والجهل، إلى حالة العدل والحرية والمساواة.
فنظام القذافي هجّر حتى أبناء عمومته، بعد تعرضه لمحاولة انقلاب، وهجّر معارضيه وطاردهم في بلدان العالم بالاغتيال والتصفية، وجاءت «فبراير» واستنسخت المشهد المأساوي من خلال سياسة العقاب الجماعي، التي عادة ما يمارسها المنتصر على المنهزم في أي صراع، حيث إن ليبيا ليست استثناء، مما جعلها إحدى الدول التي تعرض نحو ربع سكانها للتهجير والنزوح القسري عقب أحداث فبراير 2011، إذ مارس بعض «ثوار» فبراير القمع والانتقام من بعض المدن التي ناصر بعض سكانها نظام القذافي، مما صبَّ عليهم غضب «ثوار» فبراير، وتسبب في التهجير القسري لمدن بكامل سكانها مثل مدينة تاورغاء، التي تعرضت للتهجير القسري من قبل كتائب مدينة مصراتة المجاورة لها، والتي ناصرت «حراك فبراير» بينما مدينة تاورغاء ناصر بعض سكانها نظام القذافي، وبسبب هذه المناصرة تقطعت بهم السبل، وافترشوا الأرض والتحفوا السماء.
«17 فبراير» لم تستطع تحقيق الحرية والعدل والرخاء المجتمعي، الذي اتهمت «سبتمبر القذافي» بعدم تحقيقه. وفي اعتقادي، وبعد تسع سنوات عجاف على ذكرى «فبراير»، يمكن القول إن «فبراير» لم تكن بأحسن حالاً من «سبتمبر»، وكلتاهما تاريخ مثقل بالآلام والأوجاع والمآسي للجميع، فمن لم يتضرر في «سبتمبر» تضرر في «فبراير»، ومن لم يتضرر في «فبراير» سبق له الضرر في «سبتمبر».
ليبقى السؤال دون إجابة: هل حققت «فبراير ليبيا» أهدافها المجهولة؟