سردينيا... جزيرة كشفت جمالها الطبيعي منذ زمن وأخفت أسراراً تاريخية ومآثر

جاذبيتها تتعدى الماء والخضرة والعيش الرغيد
الأربعاء - 27 جمادى الأولى 1441 هـ - 22 يناير 2020 مـ Issue Number [15030]
لندن: «الشرق الأوسط»

أول ما تُذكر سردينيا تتراءى للعين صور البحر الفيروزي والشواطئ الذهبية في «كوستا سميرالدا»، ومنظر اليخوت المتراصة على سواحلها. لكن ما يتفاجأ به السائح، أنها تكتنز بين جوانبها ما هو أكثر من ذلك بكثير. فالحياة فيها تتنوع من منطقة إلى أخرى، بما في ذلك مطبخها المتوسطي اللذيذ والصحي، الذي يدعو البعض إلى القول إن سكانها يعيشون أطول وأكثر صحة من أي مكان آخر على سطح الكوكب، فضلاً عن معالمها الأثرية الكثيرة.
فقلة تعرف أن سردينيا واحدة من أكثر الأماكن غموضاً على وجه الأرض، وبأنها أقدم كتلة أرضية معروفة في قارة أوروبا. لهذا سيتفاجأ السائح بالكم الهائل من المواقع الأثرية التي يعود تاريخها إلى 730 قبل الميلاد، ولم تُكتشف سوى في سبعينات القرن الماضي، منها نحو سبعة آلاف حصن حجري ومجموعة من التماثيل العملاقة، يبلغ طول بعضها أكثر من 8 أقدام، مما عزز الاعتقاد بأن جزيرة سردينيا كانت «موطن العمالقة» في قديم الزمان. ونتيجة للهجرات القديمة والثقافات المتنوعة التي توافدت عليها، أصبحت مزيجاً جميلاً من المواقع الأثرية المتنوعة، مثل قرية «ثاروس» الفينيقية القديمة على الساحل الغربي، والمتحف الأثري الوطني في العاصمة كالياري، حيث المقتنيات الأثرية العتيقة لحقبة ما قبل التاريخ، أو متحف الأزياء في بلدة نيورو الداخلية، وهو من أبرز معالم الجزيرة السياحية، حيث يسلط الأضواء على التقاليد الفولكلورية عبر التاريخ.
الآن يرتبط اسم سردينيا بالوجهاء والأثرياء الذين يفضلونها على جزر الكاريبي، لكن قضاء، ولو يوماً واحداً، فيها، إذا لم تكن الميزانية تسمح بأكثر من ذلك، يجعل السائح العادي يُقدر جمالها عن قُرب، ويتمتع بمناخها وتضاريسها وبحرها، إضافة إلى الأنشطة الكثيرة التي تُوفرها. فلكل منطقة تقريباً تقاليدها الخاصة، كونها لا تزال من الأماكن الإيطالية القليلة التي يحرص الرجال والنساء فيها على ارتداء الأزياء التقليدية في حفلات الزفاف والمناسبات والعطلات الخاصة. وهي عبارة عن أزياء وحلي غنية بتفاصيل تتغير تطريزاتها وألوانها كل 10 كيلومترات. التنوع ينطبق أيضاً على مطبخها. مثلاً تشتهر منطقة كوستا سميرالدا الواقعة على الجانب الشمالي الشرقي من الجزيرة بجبن وألبان الماعز والخراف، فضلاً عن اللحم المقدد الذي يأتي من الجبال المحيطة بها، وبنكهات المعكرونة التقليدية التي تدخل فيها اللحوم أيضاً، مثل «الأوركيت» مع لحم «الراغو» المقدد، و«الرافيولي» المحشو بالبطاطا والجبن، بينما تشتهر كابراس، التي توجد على الجانب الغربي من جزيرة سردينيا، وهي بحيرة ملحية كبيرة تخرج منها بطارخ سمك «البورتاغا» الشهيرة، بالأسماك والأطباق التي تعتمد على فواكه البحر. كذلك ألغيرو، الواقعة في الجزء الشمالي الغربي من الجزيرة، بحكم وجود الصيادين المتخصصين في اصطياد سرطان البحر وسمك التونة. والمثير في هذا الجزء من سردينيا والجزر المجاورة لها مثل سان بيترو، التأثير الإسباني، إلى جانب ثقافات أخرى توافدت عليها وأثرت مطبخها وحياتها بشكل ملموس. لكن تبقى ألغيرو في الساحل الشمالي الغربي، من أكثر هذه الأماكن تأثراً بالثقافة الإسبانية، إذ لا يزال بعض سكانها يتحدثون لهجة «الغيريز»، وهي إحدى لكنات كاتالونيا المتعددة، كما لا يزال مركز البلدة التاريخي يحمل اسم «برشلونيتا».

أجمل الأماكن السياحية فيها
للاستمتاع بالجزيرة بشكل جيد، فإن التجول بالسيارة من أفضل الوسائل المتاحة؛ خصوصاً مع انعدام وجود حركة مرورية فعلية، كما هو الحال في المدن الكبرى. ومن بين القرى التي تستحق الزيارة نذكر:
- قرية سان بانتاليو في أيام الخميس بالذات؛ حيث تُعقد سوق القرية الأسبوعية للبيع والشراء. ففي هذا اليوم سيقف السائح على مشاهد من الحياة الطبيعية الحقيقية لسكان جزيرة سردينيا الأصليين، كما سيتناول وجبة غداء شهية في مطعم «ريستوراني غياغوني» في بيازا ديلا تشيزا، المواجهة للكنيسة الصغيرة.
ومن هنا يسهل التوجه إلى «كوستا سميرالدا»، حيث يمكنك التوقف عند أولبيا لزيارة المتحف الأثري، الذي يأخذ شكل سفينة راسية، قبالة الميناء القديم. ويضم مقتنيات وسفناً من الحقبة الرومانية القديمة، وهو من الأماكن التي تشكل نقطة انطلاق لاستكشاف التاريخ البحري لهذه المدينة، قبل التوجه إلى بورتو سيرفو لزيارة كنيسة «ستيلا ماريس» التي بناها الآغاخان تعبيراً عن امتنانه للسماح له بتطوير هذه المنطقة من جزيرة سردينيا. والمعروف عن أولبيا تمتعها بشواطئ خلابة وشمس ساطعة في الصيف، الأمر الذي يجعلها تنتعش سياحياً في هذا الفصل، وتنام في الشتاء. وقد شُيدت الكثير من المباني والمواقع فيها إبان ستينات وسبعينات القرن الماضي، مثل فندق «ديو ليون»، وهو فندق أربعة نجوم، يرتاده علية القوم للاستمتاع بمنظر البحر بألوانه المتعددة، فضلاً عن ملعب الغولف براياته التسع أمام واجهة الفندق. ويفضله بعض السياح نظراً لهدوء أجوائه مقارنة بأجواء «كوستا سميرالدا».
- لا يمكن زيارة سردينيا من دون زيارة المنطقة المحيطة بلا مادالينا والجزر المجاورة لها، مثل أيولا تافولارا، وأيولا مولارا؛ في جزيرة تافولارا تحديداً ستستمتع بالغطس والغوص في مياهها اللازوردية، أو بالمشي في مساراتها لمسافات طويلة، برفقة مرشدين يساعدون على اكتشاف جنباتها وأسرارها في رحلات صباحية مبكرة. وتعتبر بيسكيناس في الجنوب الغربي من سردينيا، بكثبانها الرملية البيضاء الناصعة، من الأماكن الأخرى التي لا يجب على السائح تفويتها؛ حيث الحياة البرية الوعرة، وفندق «لا ديون بيسكيناس»، المطل على البحر مباشرة، بمعماره البسيط وموقعه المعزول، إضافة إلى رحلة إلى آنغيلو روجو؛ حيث توجد مجموعة كبيرة من «دوموس دي جانوس»، وهي مقابر ما قبل الحقبة النوراغية القديمة التي كان يعتقد البعض، حتى وقت قريب، أنها منازل أسطورية خرافية، رغم أنها مقابر قديمة بالفعل.
- في العاصمة كالياري، يمكن اكتشاف مبانٍ ترجع إلى القرن التاسع عشر والمتحف الأثري، الذي يضم مقتنيات ومعروضات تعود إلى ستة آلاف عام قبل الميلاد. طبعاً لا يمكن زيارة العاصمة من دون الاطلاع على جيش سردينيا الحجري وتماثيله الكبيرة التي تسبق الجيش الصيني الحجري الأثري بخمسة قرون كاملة. كما لا ينبغي تفويت سوق «سان بينديتو»، لمعاينة أو شراء منتجات من الحرف اليدوية المحلية ومختلف الفنون التاريخية. لكن يمكن الاكتفاء بالاسترخاء في ميناء كالياري الشهير، أو ممارسة هواية التسوق، أو ارتياد المطاعم والمقاهي الكثيرة، بعدها التوجه غرباً إلى مدينة بولا، منها إلى منطقة الآثار الرومانية والقرطاجية القديمة في بلدة نورا، التي تحاذي البحر مباشرة، وتضم المعابد والحمامات الحرارية القديمة المزينة بزخارف الفسيفساء. وهي تعتبر من الجولات السياحية الرائعة بفضل المرشدين السياحيين المتحمسين للمساعدة، وتقديم أفضل ما لديهم من معلومات حول المكان.
- يمكن بواسطة السيارة الوصول إلى نيورو في أقل من ساعتين. وهي عاصمة المقاطعة التي تحمل الاسم نفسه، كما أنها مسقط رأس غراتسيا ديليدا، المرأة الإيطالية الوحيدة التي حازت على جائزة «نوبل» للأدب. إضافة إلى زيارة منزلها، تضم المدينة متحف الأزياء بالقرب من ساحة «بيازا سيباستيانو ساتا»، التي تحمل اسم الشاعر الإيطالي الشهير؛ حيث تجد منحوتات للفنان السرديني الأصل كوستانتينو نيفولا.
- يعتبر سبتمبر (أيلول) من أفضل شهور السنة لزيارة الجزيرة، نظراً لطقسها المعتدل. كما أنه شهر الاحتفالات التي يُطلق عليها مسمى «كورتيز إبيرتاس» أو «الساحات المفتوحة»، وفيها يفتح السكان المحليون أبواب منازلهم لتقديم المشروبات التقليدية اللذيذة، ومختلف أنواع الأجبان، والحرف اليدوية الأخرى. كما يرتدي كافة سكان الجزيرة الملابس التقليدية الأصلية. ورغم أن الاحتفالات تعد أكثر خصوصية في بعض أجزاء الجزيرة، إلا أنها عطلة رسمية في سردينيا، حتى في المناطق التي تعتبر أكثر انعزالاً، مثل المناطق الداخلية المرتفعة، والسبب أن سكان سردينيا يعتزون بتراثهم وتقاليدهم ويريدون أن يورثوها للأجيال القادمة.
بدورها تحظى منطقة باربايا الجبلية بمجموعة خاصة من المهرجانات في الفترة بين شهري سبتمبر حتى ديسمبر (كانون الأول) من كل عام؛ حيث تستضيف العديد من العروض الموسيقية والفعاليات، وعرض الحرف المحلية، والمأكولات والمشروبات التقليدية، والمنتجات الثقافية المختلفة كل أسبوع. كما أنها تقدم فرصة ثمينة لشراء المنتجات المحلية.

إقرأ أيضاً ...